يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ
أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ فِي القُرْءَانِ الكَرِيـمِ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [سُورَة الرَّعْد/11] قَالَ عُلَمَاءُ التَّفْسِيـرِ: مَعْنَى الآيَةِ أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَكَّلَ بِكُلِّ إِنْسَانِ مَلَائِكَةً يَـحْفَظُونَهُ مِنْ أَمَامِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، أَيْ مِنْ كُلِّ جَوَانِبِهِ أَيْنَمَا ذَهَبَ، وَهُمْ مُكَلَّفُونَ بِـهَذَا بِأَمْرٍ مِنَ اللهِ تَعَالَى، هَؤُلَاءِ يَـحْفَظُونَ بَنِي آدَمَ مِنَ الـمَكَارِهِ وَالأَخْطَارِ إِلَى أَنْ يَـحِيـنَ الأَجَلُ، فَإِذَا حَانَ الأَجَلُ تَـخَلَّوْا عَنْهُ، فَوَقَعَ مَا قَدَّرَ اللهُ لَهُ مِنَ الـمَوْتِ أَوِ الإِصَابَةِ الَّتِي تُفْضِي إِلَى الـمَوْتِ. وَيُؤَيِّدَ هَذَا التَّفْسِيـرَ مَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَـجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ العَصْرِ وَصَلَاةِ الفَجْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُـهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِـهِمْ فَيَقُولُ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ» رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
قَالَ الكَلْبِيُّ: مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ يَـجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الغَدَاةِ خَلْفَ الإِمَامِ، تَنْزِلُ مَلَائِكَةُ النَّهَارِ عَلَيْهِمْ وَهُمْ فِي صَلَاةِ الغَدَاةِ قَبْلَ أَنْ تَعْرُجَ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ، فَإِذَا فَرَغَ الإِمَامُ مِنْ صَلَاتِهِ عَرَجَتْ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَكَثَتْ مَلَائِكَةُ النَّهَارِ، فَتَقُولُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ إِذَا صَعِدَتْ إِلَى رَبِّـهَا: رَبَّنَا إِنَّا تَرَكْنَا عِبَادَكَ يُصَلُّونَ لَكَ، وَيَقُولُ الآخَرُونَ: رَبَّنَا أَتَيْنَا عِبَادَكَ وَهُمْ يُصَلُّونَ، فَيَقُولُ اللهُ لِمَلَائِكَتِهِ: اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَـهُمْ.
وَلِـهَذَا قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِل: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [سُورَة الإِسْرَاء/ 78] أَيْ يَـحْضُرُهُ الـمَلَائِكَةُ، مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ مُوَكَّلٌ بِـحِفْظِ بَنِي آدَمَ مِنَ الـمَكَارِهِ، يَـحْفَظُونَهُ مِنَ الآفَاتِ، وَمِنَ الأَعْدَاءِ وَمِنَ الـهَوَامِّ وَمِنَ السِّبَاعِ وَمِنَ الأَفَاعِي وَالـحَيَّاتِ، مَا دَامَ لَهُ بَقِيَّةُ حَيَاةٍ فَإِنَّ لَهُ مَلَائِكَةً يَـحْفَظُونَهُ مِنَ الأَخْطَارِ.
الوَاحِدُ مِنَّا يَنَامُ بَيْـنَ السِّبَاعِ وَبَيْـنَ الـحَيَّاتِ فِي البَـرِّ، مَنِ الَّذِي يَدْفَعُ عَنْهُ الـحَيَّاتِ وَالسِّبَاعَ وَالـهَوَامَّ؟ مَعَهُ مَلَائِكَةٌ كِرَامٌ سَخَّرَهُمُ اللهُ سُبْحَانَهُ كَمَا قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ وَالـمُعَقِّبَاتُ مِنَ اللهِ هِيَ الـمَلَائِكَةُ يَـحْفَظُونَ العَبْدَ فِي حِلِّهِ وَتَرْحَالِهِ، وَفِي نَوْمَتِهِ وَيَقَظَتِهِ مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَحَدَثٍ، قَالَ مُـجَاهِدٌ: «مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَمَلَكٌ مُوَكَّلٌ يَـحْفَظُهُ فِي نَوْمِهِ وَيَقَظَتِهِ مِنَ الـجِنِّ وَالإِنْسِ وَالـهَوَامِّ». وَقَالَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ قَالَ: مَلَائِكَةٌ يَـحْفَظُونَهُ مِنْ بَيْـنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، فَإِذَا جَاءَ قَدَرُ اللهِ خَلَّوْا عَنْهُ.
فَلَوْلَا الـمَلَائِكَةُ كَانَتِ الـجِنُّ تَلْعَبُ بِابْنِ آدَمَ كَالكُرَةِ، وَهُوَ لَا يَرَاهُمْ أَمَّا الـجِنِّيُّ فيَرَاهُ، إِنْ شَاءَ يَدْفَعُهُ مِنْ أَمَامٍ وَإِنْ شَاءَ يَدْفَعُهُ مِنَ الـخَلْفِ، وَإِنْ شَاءَ يَفْعَلُ بِهِ غَيْـرَ ذَلِكَ، بِوُجُودِ الـمَلَائِكَةِ لَا يَفْعَلُونَ كُلَّ مَا يُرِيدُونَ. وَمَعَ هَذَا مَا كَتَبَ اللهُ مِنْ أَذَى الـجِنِّ لِبَنِي آدَمَ يَـحْصُلُ لِأَنَّ قَضَاءَ اللهِ لَا يَرُدُّهُ أَحَدٌ. فَالشَّىْءُ الَّذِي قَدَّرَ اللهُ أَنْ يُصِيبَنَا، يُصِيبُنَا مَعَ وُجُودِ الـمَلَائِكَةِ. قَالَ كَعْبُ الأَحْبَارِ: «لَوْلَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى وَكَّلَ بِكُمْ حَفَظَةً يَذُبُّونَ عَنْكُمْ -يَدْفَعُونَ عَنْكُمْ مَا يُؤْذِيكُمْ- فِي مَطْعَمِكُمْ وَمَشْرَبِكُمْ لَتَخَطَّفَنَّكُمُ الـجِنُّ».
اللَّهُمَّ احْفَظْنَا وَارْحَمْنَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيـنَ،
وَثَبِّتْنَا عَلَى القَوْلِ الـحَقِّ يَا رَبَّ العَالَمِيـنِ.