بِأَمْرِ اللهِ مُلْتَزِمُونَ
الـمَلَائِكَةُ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ اللهِ الـمُكْرَمُونَ وَالسَّفَرَةُ بَيْنَهُ تَعَالَى وَبَيْـنَ رُسُلِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مُطِيعُونَ للهِ الـمَلِكِ الدَّيَّانِ وَهُمْ عِبَادٌ مِنْ عِبَادِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَهُمُ اللهُ تَعَالَى مِنَ النُّورِ لِعِبَادَتِهِ، لَيْسُوا بَنَاتًا للهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا أَوْلَادًا وَلَا شُرَكَاءَ مَعَهُ وَلَا أَنْدَادًا، تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ وَالـجَاحِدُونَ وَالـمُلْحِدُونَ عُلُوًّا كَبِيـرًا وَقَدْ أَكْذَبَ اللهُ القَائِلِيـنَ بِـهَذَا القَوْلِ، وَبَيَّـنَ حَقِيقَةَ الـمَلَائِكَةِ وَمَكَانَتَهُمْ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَـٰنُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۚ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27)﴾ [سُورَة الأَنْبِيَاء]. يَقُولُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَقَالُوا﴾ هَؤُلَاءِ الكَافِرُونَ بِرَبِّـهِمْ ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ مِنْ مَلَائِكَتِهِ فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ اسْتِعْظَامًا مِـمَّا قَالُوا وَتَبَـرِّيًا مِـمَّا وَصَفُوهُ بِهِ ﴿سُبْحَانَهُ﴾، تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ، مَا ذَلِكَ مِنْ صِفَتِهِ، ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ مَا الـمَلَائِكَةُ كَمَا وَصَفَهُمْ بِهِ هَؤُلَاءِ الكَافِرُونَ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَلَكِنَّهُمْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ، أَكْرَمَهُمُ اللهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ فَهَذَا ثَنَاءٌ مِنَ اللهِ عَلَى الـمَلَائِكَةِ الكِرَامِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّـهُمْ لَا يَقُولُونَ قَوْلًا بِـخِلَافِهِ، لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا بِـمَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ فَقَدْ أَخْبَـرَ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ الـمَلَائِكَةَ مَعْصُومُونَ عَنْ مُـخَالَفَةِ أَمْرِهِ سُبْحَانَهُ، وَأَنَّـهُمْ لَا يُقَصِّرُونَ فِي وَاجِبٍ عَلَيْهِمْ. قَالَ قَتَادَةُ: «لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا بِـمَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ رَبُّـهُمْ، وَلَا يَعْمَلُونَ عَمَلًا إِلَّا بِهِ».
فَالـمَلَائِكَةُ عِبَادٌ يَتَّصِفُونَ بِكُلِّ صِفَاتِ العُبُودِيَّةِ، قَائِمُونَ بِالـخِدْمَةِ، مُنَفِّذُونَ لِلتَّعَالِيمِ، وَعِلْمُ اللهِ بِـهِمْ مُـحِيطٌ، لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَتَجَاوَزُوا الأَوَامِرَ، وَلَا أَنْ يُـخَالِفُوا التَّعْلِيمَاتِ الـمُلْقَاةِ إِلَيْهِمْ، خَائِفُونَ وَجِلُونَ، وَلَا يَعْتَـرِضُونَ عَلَى أَمْرٍ مِنْ أَوَامِرِهِ، بَلْ هُمْ عَامِلُونَ بِأَمْرِهِ، مُنْقَطِعُونَ دَائِمًا لِعِبَادَةِ اللهِ وَطَاعَةِ أَمْرِهِ مُسَارِعُونَ مُـجِيبُونَ، فَلَيْسَ لِلْمَلَائِكَةِ مِنَ الأَمْرِ شَىْءٌ بَلِ الأَمْرُ كُلُّهُ للهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَهُمْ لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا مَا يُؤْمَرُونَ بِهِ، فَالأَمْرُ يُـحَرِّكُهُمْ، وَالأَمْرُ يُوقِفُهُمْ، فَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِـجِبْـرِيلَ: «أَلَا تَزُورُنَا أَكْثَرَ مِـمَّا تَزُورُنَا»؟ قَالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [سُورَة مَرْيَـم/64].
الـمَلَائِكَةُ بِأَمْرِ اللهِ مُلْتَزِمُونَ، عَامِلُونَ بِأَمْرِهِ، قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [سُورَة النَّحْل/50]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [سُورَة التَّحْرِيـم/6].
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.