بِأَمْرِ اللهِ مُلْتَزِمُونَ
أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الرِّسَالَةَ يُوصَفُ بِـهَا الـمَلَكُ وَالبَشَرُ، أَمَّا النُّبُوَّةُ فَلَا تَكُونُ إِلَّا فِي البَشَرِ، قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ فِي سُورَةِ الـحَجِّ: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ (75)﴾ أَيْ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ اصْطَفَى اخْتَارَ مِنَ الـمَلَائِكَةِ رُسُلًا يُرْسِلُهُمْ إِلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ، مِثْلَ جِبْـرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَهُوَ رَسُولٌ مِنَ الـمَلَائِكَةِ، كَذَلِكَ يُوجَدُ غَيْـرُهُ يُرْسِلُهُ اللهُ إِلَى الـمَلَائِكَةِ لِيُبَلِّغَ الوَحْيَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ فَمَعْنَاهُ يَـخْتَارُ مَنْ شَاءَ مِنَ النَّاسِ رُسُلًا يُرْسِلُهُمْ إِلَى خَلْقِهِ. فَاللهُ سُبْحَانَهُ اصْطَفَى اخْتَارَ مِنْ بَيْـنِ الـمَلَائِكَةِ جَمَاعَةً فَضَّلَهُمْ عَلَى غَيْـرِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ الـجَمَاعَةُ الَّذِينَ فَضَّلَهُمُ اللهُ عَلَى غَيْـرِهِمْ مِنْ بَيْـنِ الـمَلَائِكَةِ هُمْ رُسُلُ الـمَلَائِكَةِ، أَيْ يُبَلِّغُونَ الـمَلَائِكَةَ عَنِ اللهِ تَعَالَى الأَوَامِرَ. كَذَلِكَ مِنَ البَشَرِ اللهُ تَعَالَى اخْتَارَ رُسُلًا، وَالرُّسُلُ مِنَ البَشَرِ أَيْضًا مِنْ أَفْضَلِ البَشَرِ، الرُّسُلُ مِنَ البَشَرِ هُمُ الَّذِينَ أَوْحَى اللهُ إِلَيْهِمْ بِشَرْعٍ جَدِيدٍ.
رَوَى ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «إِنَّهُ نَبِيٌّ رَسُولٌ» فَأَوَّلُ الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ الَّذِي هُوَ أَبُو البَشَرِ، حِيـنَ كَانَ فِي الـجَنَّةِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا لَكِنَّهُ بَعْدَمَا خَرَجَ مِنَ الـجَنَّةِ وَنَزَلَ إِلَى الأَرْضِ أَعْطَاهُ اللهُ النُّبُوَّةَ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ جِبْـرِيلُ وَقَالَ لَهُ: «أَنْتَ نَبِيُّ اللهِ» فَصَارَ يُوحَى إِلَيْهِ بِالتَّعَالِيمِ الإِلَـهِيَّةِ، فَصَارَ يُعَلِّمُ أَوْلَادَهُ وَزَوْجَتَهُ حَوَّاءَ، هُمَا كَانَا مِنَ الأَوَّلِ مُسْلِمَيْـنِ بِـمَعْنَى أَنَّـهُمَا مَا كَانَا يَعْبُدَانِ غَيْـرَ اللهِ مَا كَانَا يَعْبُدَانِ شَـمْسًا وَلَا قَمَرًا وَلَا مَلَائِكَةً وَلَا غَيْـرَ ذَلِكَ إِنَّـمَا كَانَا يَعْبُدَانِ اللهَ.
اللهُ تَعَالَى يُوحِي إِلَى كُلِّ نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ إِمَّا بِطَرِيقِ جِبْـرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَإِمَّا بِالإِفَاضَةِ عَلَى قَلْبِهِ مِنْ غَيْـرِ أَنْ يَأْتِيَ جِبْـرِيلُ، وَقَدْ يُوحِي اللهُ تَعَالَى بِطَرِيقِ غَيْـرِ جِبْـرِيلَ مِنَ الـمَلَائِكَةِ. لَكِنَّ الأَغْلَبَ أَنَّ جِبْـرِيلَ هُوَ الَّذِي يَنْزِلُ بِالوَحْيِ إِلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَإِلَى مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ نَزَلَ إِلَيْهِ جِبْـرِيلُ، هُوَ أَمِيـرُ الوَحْيِ الـمُقَدَّمُ. اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَّمَ الأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ بِطَرِيقِ الوَحْيِ، يُرْسِلُ إِلَيْهِمْ جِبْـرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَيُوحِي جِبْـرِيلُ إِلَى أَنْبِيَاءِ اللهِ، يُعَلِّمُهُمْ أُمُورَ الدِّينِ ثُمَّ هُمْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إِلَيْهِمْ.
فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ مَرَّةً عَنْ خَيْـرِ بِقَاعِ الأَرْضِ وَعَنْ شَرِّ بِقَاعِ الأَرْضِ فَقَالَ: «لَا أَدْرِي، أَسْأَلُ أَخِي جِبْـرِيلَ». فَسَأَلَ جِبْـرِيلَ فَقَالَ: «لَا أَدْرِي، اسْأَلُ رَبَّ العِزَّةِ». وَجَاءَ الـجَوَابُ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ: «خَيْـرُ بِقَاعِ الأَرْضِ الـمَسَاجِدُ وَشَرُّ بِقَاعِ الأَرْضِ الأَسْوَاقُ» وَذَلِكَ لِأَنَّ الـمَسَاجِدَ بُيُوتٌ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْـمُهُ، وَلِأَنَّ الأَسْوَاقَ بِقَاعٌ يَكْثُرُ فِيهَا الـحَلِفُ الكَاذِبُ وَالغِشُّ وَالـحِرْصُ عَلَى جَمْعِ الـمَالِ مِنْ غَيْـرِ اهْتِمَامٍ أَمِنْ حَلَالٍ هُوَ أَوْ مِنْ حَرَامٍ.
اللَّهُمَّ عَلِّمْنَا مَا جَهِلْنَا وَذَكِّرْنَا مَا نَسِينَا
وَاجْعَلِ القُرْءَانَ رَبِيعَ قُلُوبِنَا وَنُورًا لِأَبْصَارِنَا وَجَوَارِحِنَا
وَتَوَفَّنَا عَلَى هَدْيِهِ وَأَكْرِمْنَا بِـحِفْظِهِ.