رَتَائِيل
أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالطَّبَـرَانِيُّ فِي الكَبِيـرِ وَابنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ بنِ رُوَيْـمٍ عَنِ العِرْبَاضِ بنِ سَارِيَةَ وَكَانَ شَيْخًا وَلِيًّا صَالِـحًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَاشَ بَعْد وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَانًا نَـحْوَ خَمْسِيـنَ سَنَةً حَتَّى كَبُـرَ فِي السِّنِّ وَشَعَرَ بِالضَّعْفِ فِي جِسْمِهِ وَبالِانْـحِطَاطِ، وَكَانَ يَدْعُو اللهَ، يَشْكُو إِلَى اللهِ مَا نَزَلَ بِهِ مِنْ ضَعْفٍ فِي جِسْمِهِ، فَكَانَ يَتَمَنَّى الـمَوْتَ فَصَارَ يَدْعُو اللهَ تَعَالَى بِأَنْ يَقْبِضَهُ، فَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنَّهُ قَدْ كَبُـرَتْ سِنِّي وَوَهَنَ عَظْمِي فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْـرَ مَفْتُونٍ»، مَعْنَاهُ اقْبِضْنِي وَأَنَا عَلَى الإِيـمَانِ وَالطَّاعَةِ وَالتَّقْوَى، أَخْرِجْنِي مِنَ الدُّنْيَا قَبْلَ أَنْ أُفْتَـنَ.
كَثِيـرٌ مِنَ الأَوْلِيَاءِ إِذَا أَصَابَـهُمْ عَجْزٌ فِي الـجِسْمِ وَكِبَـرٌ فِي السِّنِّ يَـجِدُ نَفْسَهُ ضَعِيفًا عَنْ أَدَاءِ الوَاجِبَاتِ، يَـخْشَوْنَ أَنْ يَـحْصُلَ مِنْهُمْ شَىْءٌ يُؤَخِّرُهُمْ أَوْ يُوقِعُهُمْ فِي الـمَعَاصِي، يَـخَافُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَبَعْضُهُمْ يَدْعُو بِالـمَوْتِ، مِثْلُ هَذَا الصَّحَابِيِّ لَمَّا انْـحَطَّتْ قُوَّتُهُ مِنَ الكِبَـرِ خَافَ أَنْ يَنْقَلِبَ حَالُهُ إِلَى حَالٍ سَيِّئٍ صَارَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنَّهُ قَدْ كَبُـرَتْ سِنِّي وَوَهَنَ عَظْمِي فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْـرَ مَفْتُونٍ». وَكَانَ هَذَا الصَّحَابِيُّ غَادَرَ الـحِجَازَ بَعْد وَفَاةِ الرَّسُولِ، جَاءَ إِلَى بَرِّ الشَّامِ، إِلَى بِلَادِ الشَّامِ، فَبَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي مَسْجِدِ بَنِي أُمَيَّة بِدِمَشْقَ رَأَى شَابًّا جَمِيلَ الصُّورَةِ جَمِيلَ الشَّكْلِ، عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَخْضَرَانِ قَالَ لَهُ: لَا تَقُلْ هَذَا، ظَنَّهُ بَشَرًا فَقَالَ: «مَاذَا أَقُولُ يَا ابْنَ أَخِي»؟ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ حَسِّنِ العَمَلَ، وَبَلِّغِ الأَجَلَ»، مَعْنَاهُ: بَدَلَ أَنْ تَطْلُبَ الـمَوْتَ، الـخُرُوجَ مِنَ الدُّنْيَا، اطْلُبُ مِنَ اللهِ أَنْ يُبَلِّغَكَ إِلَى أَجْلِكَ وَأَنْتَ عَلَى عَمَلِ حَسَنٍ. فَقَالَ لَهُ: «يَا ابْنَ أَخِي جَزَاكَ اللهُ خَيْـرًا، مَنْ أَنْتَ»؟ قَالَ: «أَنَا رَتَائِيلُ الَّذِي يَسُلُّ الـحَزَنَ مِنْ صُدُورِ الـمُؤْمِنِيـنَ». ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْهِ فَلَمْ يَرَهُ، تَغَيَّبَ عَنْهُ، احْتَجَبَ عَنْهُ، فَعَرَفَ أَنَّهُ مِنَ الـمَلَائِكَةِ.
هَذَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ وَهُوَ تَقِيٌّ صَالِحٌ. ثُمَّ لَمَّا كَانَ تَضَايَقَ مِنْ ضَعْفِ جِسْمِهِ وَانْـحِطَاطِ قُوَّتِهِ كَانَ يَدْعُو اللهَ بِأَنْ يُـمِيتَهُ، بِأَنْ يَقْبِضَهُ مِنَ الدُّنْيَا وَهُوَ عَلَى الإِيـمَانِ وَالتَّقْوَى قَبْلَ أَنْ يُفْتَـنَ، فَاللهُ تَعَالَى بَعَثَ هَذَا الـمَلَكَ بِشَكْلِ إِنْسَانٍ فَعَلَّمَهُ هَذَا الدُّعَاءَ، صَارَ يَقُولُ مَا عَلَّمَهُ هَذَا الـمَلَكُ وَهُوَ: «اللَّهُمَّ حَسِّنِ العَمَلَ، وَبَلِّغِ الأَجَلَ»، ذَهَبَ عَنْهُ مَا كَانَ يَـجِدُهُ مِنَ الضِّيقِ.
فَهَذَا الـمَلَكُ الَّذِي ظَهَرَ لِلْعِرْبَاضِ بنِ سَارِيَةَ صَاحِبِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِـهَذَا الشَّكْلِ البَشَرِيِّ مِنْ مَلَائِكَةِ الرَّحْمَةِ الَّذِينَ هُمْ مَأْمُورُونَ بِأَنْ يَزُورُوا الـمُؤْمِنِيـنَ الصَّالِـحِيـنَ فِي الأَرْضِ لِيُفَرِّجُوا عَنْهُمْ كَرْبًا، فَتَنْشَرِحُ صُدُورُهَمْ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ يُعَلِّمُوهُمْ فَائِدَةً دِينِيَّةً أَوْ يُنَشِّطُوهُمْ عَلَى طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى حَتَّى يَزِيدُوهُمْ نَشَاطًا، يَزُورُونَ الصَّالِـحِيـنَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللهِ فِي الأَرْضِ. هَكَذَا تَكُونُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ، إِنْ ظَهَرُوا بِشَكْلِ بَشَرٍ يَظْهَرُونَ بِشَكْلِ إِنْسَانٍ جَمِيلِ الصُّورَةِ، ثُمَّ لَا يَأْمُرُونَ إِلَّا بِـمَا يُرْضِي اللهَ.
اللَّهُمَّ حَسِّنِ العَمَلَ وَبَلِّغِ الأَجَلَ.