أَذْكارُ النُّزولِ أَوِ الاسْتِرَاحَةِ
قَدْ يَحْتَاجُ الـمُسافِرُ إِلَى النُّزولِ مِنْ مَرْكوبِهِ، لِلنَّوْمِ، أَوِ الأَكْلِ، أَوْ قَضاءِ الحاجَةِ، والبَـرِّيَّةُ فِيهَا مِنَ الـهَوامِّ وَالسِّبَاعِ وَالشَّيَاطِينِ مَا اللهُ بِهِ عَليمٌ، فَكَانَ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيْنَا أَنْ شَرَعَ لَنَا عَلَى لِسانِ نَبيِّنا، دُعاءً نَقولُهُ يَحْفَظُنا بِإِذْنِ اللهِ مِنْ شَرِّ كُلِّ مَخْلوقٍ، رَوَى النَّسائيُّ وابْنُ مَاجَه وَأَحْمَدُ وَالبَيْهَقِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكيمٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَـمِعْتُ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِذَا نَزَلَ أَحَدُكُمْ مَنْزِلًا فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِكَلِماتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّهُ شَىْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْهُ".
في هَذَا الحَديثِ: يُبَيِّنُ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما يَقُولُهُ الـمُسْلِمُ مِنَ الذِّكْرِ إِذَا كانَ مُسافرًا وَنَزَلَ مَنزلًا، وَهُوَ: "أَعوذُ بِكلِماتِ اللهِ التَّامَّاتِ" أَيْ أَتَحَصَّنُ بِكَلِماتِ اللهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا نَقْصَ فِيهَا وَلَا عَيْبَ، وَرَدَ بِكَلِماتِ اللهِ التَّامَّاتِ لِتَعْظيمِ كَلامِ اللهِ، هُوَ كَلامُ اللهِ واحِدٌ وَلَكِنَّ الجَمْعَ لِلتَّعْظِيمِ.
"مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ" أَيْ مِنْ شَرِّ جَمِيعِ الـمَخْلُوقاتِ، ثُمَّ أَرْدَفَ نَتيجَةً لِمَنْ يَقولُ تِلْكَ الكَلِماتِ وَهِيَ "لَـمْ يَضُرَّه شَىْءٌ"، أَيْ مِنَ الـمَخْلُوقاتِ حَيْثُ تَعَوَّذَ بِالخالِقِ، "حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْهُ" أَيْ يَنْتَقِلَ عَنْ مَنزِلِه ذَلِكَ، فَتَعَوُّذُهُ يَتَنَاوَلُ مُدَّةَ مَقامِه فِيهِ... وَفِي هَذَا الحديث: تَأْكِيدٌ عَلَى أَنَّ الَّذِي يَعْصِمُ مِنْ كُلِّ شَرٍّ هُوَ اللهُ وَحْدَهُ، وَأَنَّ غَيْرَ اللهِ تَعَالَى لا يَـمْلِكُ لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا.
وَفِي حَديثِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إذَا كانَ في سَفَرٍ فَعَرَّسَ بلَيْلٍ، اضْطَجَعَ عَلَى يَـمِينِهِ، وَإِذَا عَرَّسَ قُبَيْلَ الصُّبْحِ نَصَبَ ذِرَاعَهُ، وَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى كَفِّهِ". فَفِي هَذَا الحَديثِ أَنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ" يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ عادَتِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَتَكَرَّرُ مِنْهُ "فَعَرَّسَ بلَيْلٍ" أَيْ نَزَلَ ءَاخِرَ اللَّيْلِ لِلنَّوْمِ وَالاسْتِراحَةِ "اضْطَجَعَ عَلَى يَـمِينِهِ" لِأَنَّ لَدَيْهِ مِنَ الوَقْتِ مُتَّسَعٌ لِلنَّوْمِ، فَإِنَّهُ يَضْطَجِعُ أَيْ يَنامُ عَلَى يَـمينِهِ وَذَلِكَ هُوَ الـمَشْروعُ، أَوْ هُوَ الـمَسْنونُ فِي النَّوْمِ، سَواءٌ كَانَ فِي السَّفَرِ أَوْ فِي غَيْرِ السَّفَرِ، "وَإِذَا عَرَّسَ قُبَيْلَ الصُّبْحِ" أَيْ قَبْلَ الفَجْرِ يَعْنِي إِذَا نَامَ مُتَأَخِّرًا، كَأَنْ نَزَلَ فِي وَقْتِ السَّحَرِ أَوْ نَحْوِ هَذَا، "نَصَبَ ذِراعَهُ" أَيِ الأَيْـمَنَ؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى أَيْضًا عَلَى شِقِّهِ الأَيْـمَنِ، "وَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى كَفِّهِ" بِـمَعْنَى أَنَّـهَا نَوْمَةٌ خَفيفَةٌ غَيْرُ مُسْتَغْرِقَةٍ، لَا يَأْخُذُ فِيهَا الجَسَدُ حَظَّهُ مِنَ الأَرْضِ، وَإِنَّـمَا يَكونُ فِي حَالٍ مِنَ التَّهَيُّؤِ لِلِاسْتِيقَاظِ؛ وَذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَسْتَيْقِظَ لِلصَّلَاةِ، فَلَا يَسْتَغْرِقُ فِي النَّوْمِ، فَتَفوتُهُ صَلاةُ الصُّبْحِ عَنْ وَقْتِها، هَذَا فِي سَفَرٍ، وَهَذَا هَدْيُهُ فِي أَسْفَارِهِ حِرْصًا عَلَى الصَّلاةِ، فَكَيْفَ بِـمَنْ يُضَيِّعُ الصَّلاةَ فِي الحَضَرِ والسَّفَرِ، وَلَا يَرْفَعُ لِذَلِكَ رَأْسًا.
اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، فاغفرِ اللهمَّ لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا.