Edit Template

أخفى الله الساعة عن كل أحد

أما بعدُ فإنَّ ربَّنا تباركَ وتعالى خلقَ هذا الكونَ المشاهدَ بالحقِّ، وقد جعلَ لهُ أجلًا مُسمًى يَنتهي إليهِ، وكلُّ مخلوقٍ في هذه الدنيا لهُ وقتٌ لا يَعْدُوهُ كما قالَ تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: 34]، وقالَ تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا} [ءال عمران: 145].

فإذا بلغَ الكتابَ أجلُهُ، واستوفى هذا الخلقُ المشاهدُ عمرَهُ واستوفى مدتَهُ التي أرادها اللهُ، أفناهُ الربُّ سبحانَهُ تعالى وبدّلَهُ، وطوى الدنيا وأزالَها.. فتشَقَّقتِ السماواتُ ودُكَّتِ الأرضُ واضمحلتِ الجبالُ فكانتْ سرابًا وكُوِّرَتِ الشمسُ وخُسِفَ القمرُ وانكدرتِ النجومُ وتناثرتْ وسُجِّرتِ البحارُ، وصعقَ مَنْ في السماواتِ ومَنْ في الأرضِ فماتوا إلا من شاءَ اللهُ من نحوِ الحورِ العينِ.

وأقامَ اللهُ القيامةَ وأتتِ الساعةُ قالَ اللهُ تعالى: {يأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} [سورة الحج/ 1 – 2]. في ذلكَ الوقتِ لو وُجِدَتْ مرضعةٌ كانتْ تذهلُ عمن ترضعُهُ، كذلكَ لو وُجِدتْ حُبلى لأسقطتْ في الحالِ. {وترى الناسَ سُكارى} هذهِ حقيقةٌ تحتارُ عقولُهم، ليسوا سُكارى عن خمرٍ إنما سُكارى عن هولٍ.

ويَخلقُ اللهُ للساعةِ وما بعدَها عالَمًا ءاخرَ، يتنعمُ فيهِ الصالحونَ لأعمالِهم الحسنةِ ويُعذَّبُ فيهُ أهلُ السيئاتِ بالعذابِ الأليمِ.. قالَ اللهُ تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ* وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ* سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ} [سورة إبراهيم/ 50-49-48]، وقالَ تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ* فَأَمَّا الَّذِينَ ءامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} [الروم: 14 – 15 ].

وقد أخفى اللهُ الساعةَ عنْ كلِّ أحدٍ، قالَ اللهُ تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 187]. فلا يعلمُ وقتَ قيامِ الساعةِ إلا اللهُ لا يعلمُ ذلكَ ملكٌ مقرَّبٌ ولا نبيٌّ مُرسلٌ.

ولَما جاءَ رئيسُ الملائكةِ جبريلُ عليهِ السلامُ إلى رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أعلى الخلقِ منزلةً فقالَ لهُ: متى الساعة؟ فقالَ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: " ما المسئولُ عنها بأعلمَ مِنَ السائلِ" السائلُ هو جبريلُ والمسئولُ هو البشيرُ النذيرُ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، كلاهما لا يعلمانِ وقتَ قيامِ الساعةِ، أفيتجرَّأُ عاقلٌ بعدَ ذلكَ ليقولَ بأنهُ على علمٍ بوقتِ قيامِ الساعةِ؟!

ففي صحيحِ البخاريِّ منْ حديثِ ابنِ عمرَ أنَّ النبيَّ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: "مفاتحُ الغيبِ خمسٌ لايعلمهنَّ إلا اللهُ وتلا النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قولَ اللهِ تعالى: { إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } [سورة لقمان/ 34].

ورَوَى الطَّبرانيُّ أنَّ سيدَنا جبريلَ جاءَ إلى الرسولِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ لهُ: "يا محمَّدُ عِشْ ما شِئْتَ فإنَّكَ مَيّتٌ، وأحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فإنَّكَ مُفَارِقُهُ"، الموتُ يأتي على الصغيرِ والكبيرِ وعلى الغنيِّ والفقيرِ وعلى الملكِ والحقيرِ، كلُّ مَنْ عليها فانٍ، فآثروا ما يبقى على ما يفنى، أيامُنا معدودةٌ وأنفاسُنا محدودةٌ، لكلِّ أمةٍ أجلٌ، فإذا جاءَ أجلُهم لا يستأخرونَ ساعةً ولا يستقدمونَ.

اللّهُمّ يا ربّنا إنّا دَعَوْناكَ فاستجِبْ لَنَا دُعاءَنَا فاغفِرِ اللّهُمّ لنا ذُنُوبَنَا وإسْرَافَنَا في أمْرِنَا وَكَفِّرْ عنّا سيّئاتِنَا وَتَوَفَّنَا بِرَحمتِكَ مُؤمنينَ يا ربَّ العالمينَ.

Designed and Developed by Hal taalam Team