سيدةُ الصابرينَ

إِنَّ علاقةَ فاطمةَ بأبِيها علاقةٌ خاصةٌ، فما أحسَّها ولا علِمها ما دامَ لم يُعاينْ وقائِعَها وأحداثَها منذُ ولادةِ فاطمةَ، ومعاصرتِها أحداثَ الدعوةِ، وفِراقَ الأحبَّةِ مِنَ الأهلِ، ثم هجرةَ أبِيها إلى المدينةِ، وبقاءَها في مكةَ حتى استدعاها إليهِ وأُختُها معها.

وهي أطولُ إخوتِها صُحبةً لأبِيها صلى اللهُ عليهِ وسلمَ إذ لم تَتركْهُ منذٌ ميلادِها أي قبلَ بعثةِ الرسولِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ بخمسِ سنينَ، وعُمرُهُ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ءانذاكَ خمسٌ وثلاثونَ سنةً، ولطولِ صُحبتِها مَزيَّةٌ لها، فقد كانت بحقٍّ سيدةَ الصابرينَ فقد ماتَ أخواها القاسمُ وعبدُ الله، ثم ماتتْ أُمُّها، ثم تتابَعتِ الأحزانُ بوفاةِ أخواتِها رقيةَ يومَ بدرٍ في العامِ الثاني مِنَ الهجرةِ، وزينبَ في السنةِ الثامنةِ مِنَ الهجرةِ وأمِّ كلثومٍ في السنةِ التاسعةِ مِنَ الهجرةِ، وءاخِرُ مَن شيَّعتْ إبراهيمُ أصغرُ إخوتِها مِنَ السيدةِ مارِيةَ.

ثم عاشَتْ لتَشهدَ رحيلَ أعزِّ وأعظمِ الناسِ قاطبةً، الأبِ الحاني والبقيةِ الباقيةِ لها بعدَ موتِ الأمِّ والإخوةِ والأخوَاتِ، فزهِدتِ الابتسامَ ولقاءَ الناسِ بعدَهُ؛ إذ ليسَ بعدَهُ عندَها إلا أن يَحينَ دورُها في الرحيلِ؛ لتَلحقَ بِه صلى اللهُ عليهِ وسلمَ. لقد عاشتْ مع الرسولِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ بعدَ موتِ والدتِها، ترعى أمورَهُ وتشدُّ أَزْرَهُ، كما كانت قريبةً منه أشدَّ القُربِ في معظمِ أوقاتِ حياتهِ، فقد كانت رضيَ اللهُ عنها شديدةَ التعلقِ والاهتمامِ بِه حتى بعدَ زواجِها، كما كانت تحدِّثُهُ بما يُسلِّي خاطرَهُ، ويُدخلُ الفرحةَ على قلبهِ، برغمِ ما كانت تُعانِيهِ وتتحمَّلُهُ بثباتِ أهلِ الإيمانِ العميق.

Designed and Developed by Hal taalam Team