يا أبتاهُ، إلى جبريلَ أنعاهُ
لَما ماتَ رسولُ اللهِ
صلى اللهُ عليهِ وسلمَ
قالت فاطمةُ رضيَ اللهُ عنها: يا أبتاهُ، أجابَ ربًّا دعاهُ، يا أبتاه، جنةُ الفردوسِ مأواهُ، يا أَبَتَاهُ، إلى جبريلَ أنعاهُ.
تُوفيَ الرسولُ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ،
فقالت فاطمةُ رضيَ اللهُ عنها "يا أبتاهُ، أجابَ ربًّا دعاهُ"
لأنَّ اللهَ سبحانَهُ وتعالى هو مالكُ كلِّ شىءٍ، هو خَلَقَنَا وأنشأَنا، هو يُحيينا ويُميتنا، إلى اللهِ المُنتهى وإليهِ الرُّجعى
"يا أبتاهُ، جنةُ الفردوسِ مأواهُ"
عليهِ الصلاةُ والسلامُ أعلى الخلقِ منزلةً في الجنةِ، كما قالَ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: "اسْأَلُوا اللهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ؛ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنَ عِبَادِ اللهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ" ولا شكَّ أن النبيَّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ مأواهُ جنةُ الفردوسِ، وجنةُ الفردوسِ هي أعلي درجاتِ الجنةِ، وسقفُها الذي فوقَها عرشُ الرحمنِ جلَّ جلالُهُ، والنبيُّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ في أعلى الدرجاتِ منها.
"يا أَبَتَاهُ، إلى جبريلَ أنعاهُ"
النعي: هو الإخبارُ بموتِ الميتِ، وقالت: إننا ننعاهُ إلى جبريلَ؛ لأنَّ جبريلَ هو الذي كانَ يأتيهِ بالوحيِ صباحًا ومساء
فأجابَ داعيَ اللهِ، وهو أنَّهُ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ إذا تُوفِّيَ صارَ كغيرِه مِنَ المؤمنينَ؛ يُصْعَدُ بروحِهِ فوقَ السماءِ السابعةِ؛ فقالت: يا أبتاهُ، أجابَ ربًّا دعاهُ.
فلما دُفِنَ قالت فاطمةُ: "يا أنسُ،
أَطَابَتْ أنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ التُّرَابَ؟" يعني: من شدةِ وَجْدِها عليهِ وحزنِها ومعرفتِها بأنَّ الصحابةَ قد ملأَ قلوبَهم محبةُ الرسولِ عليهِ الصلاةُ والسلام.
فهل طابت؟ والجوابُ: أنها طابت؛ لأنَّ هذا ما أرادَهُ اللهُ عزَّ وجلَّ وهو شرعُ اللهِ، ولو كانَ النبيُّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ يُفدى بكلِّ الأرضِ لفداهُ الصحابةُ رضيَ اللهُ عنهم،
لكنَّ اللهَ سبحانَهُ هو الذي لهُ الحكمُ، وإليهِ المرجعُ، وكما قالَ اللهُ تعالى في كتابِه { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ }[ سورة الزمر/ 30، 31]
وقد رُويَ عنها أنّها لما جاءتْ إلى قبرِ أبيها رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ مرَّغت وجهَها بالترابِ وأنشأتْ تقولُ:
ماذا على مَن شمَّ تربةَ أحمدٍ *** أن لا يشَمَّ مدى الزمانِ غَوَاليا
صُبَّتْ عليَّ مصائبٌ لو أنها *** صُبَّتْ على الأيامِ عُدْنَ لياليا