Edit Template

إِنَّـمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ

عن عُمَر بن الـخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَـمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّـمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ». وَقَدْ تَوَاتَرَ النَّقْلُ عَنِ الأَئِمَّةِ فِي تَعْظِيمِ قَدْرِ هَذَا الـحَدِيثِ. قَالَ أَهل العلم: لَيْسَ فِي أَخْبَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَىْءٌ أَجْمَعُ وَأَغْنَى وَأَكْثَرُ فَائِدَةً مِنْ هَذَا الـحَدِيثِ.

وَسَبَبُ هَذَا الـحَدِيثِ «إِنَّـمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» أَنَّ رَجُلًا أَرَادَ الـهِجْرَةَ حِيـنَ كَانَتِ الـهِجْرَةُ وَاجِبَةً إِلَى الـمَدِينَةِ وَنِيَّتُهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ، لَمْ تَكُنْ نِيَّتُهُ القِيَامَ بِـمَا فَرَضَ اللهُ عَلَى الـمُؤْمِنِيـنَ فِي ذَلِكَ مِنَ الـخُرُوجِ مِنْ بِلَادِهِمْ إِلَى الـمَدِينَةِ لِيُؤَازِرُوا الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تَقْوَى الدَّعْوَةُ بِكَثْرَةِ الـمُؤْمِنِيـنَ، فَلِذَلِكَ قَالَ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ». فَمَهْمَا كَانَ العَمَلُ شَاقًّا مِنْ أَعْمَالِ العِبَادَاتِ لَا يَقْبَلُهُ اللهُ إِلَّا بِنِيَّةٍ خَالِصَةً للهِ تَعَالَى، اللهُ لَا يَقْبَلُ عَمَلًا أَشْرَكَ العَبْدُ فِيهِ غَيْـرَهُ.

وَأما مَعْنَى الحديث، الأَعْمَالُ الـحَسَنَةُ لَا يَكُونُ فِيهَا ثَوَابٌ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ وَجْهَ اللهِ أَيِ التَّقَرُّبَ إِلَى اللهِ، فَالأَعْمَالُ الَّتِي أَذِنَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِعِبَادِهِ فِيهَا لَا تَكُونُ مُعْتَبَـرَةً إِلَّا بِالنِّيَّةِ، أَيْ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَكُونُ مُعْتَبَـرَةً إِلَّا بِالنِّيَّةِ، وَالصِّيَامُ وَالزَّكَاةُ وَالطَّهَارَةُ عَنِ الـحَدَثَيْـنِ وَالـحَجُّ كَذَلِكَ، كُلُّ هَذَا لَا يَكُونُ مُعْتَبَـرًا مَقْبُولًا عِنْدَ اللهِ إِلَّا بِنِيَّةٍ، النِّيَّةُ هِيَ سِرُّ الأَعْمَالِ، هَذَا مَعْنَى «إِنَّـمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ».

النِّيَّةُ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ، وَهَذِهِ النِّيَّةُ تَصْحَبُكَ فِي كُلِّ أَحْوَالِكَ، فَخُذْ مَثَلًا الحج، إِنَّ الـمُؤْمِنَ يَـحُجُّ البَيْتَ الـحَرَامَ، وَالنِّيَّةُ الصَّادِقَةُ هِيَ الَّتِي تَسُوقُهُ إِلَى مُفَارَقَةِ الوَلَدِ وَالـمَالِ وَالبَلَدِ، طَاعَةٌ وَقُرْبَةٌ يَتَقَرَّبُ بِـهَا إِلَى اللهِ، «وَالـحَجُّ الـمَبْـرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الـجَنَّةُ» رَوَاهُ البُخَارِيُّ. كذلك الـمُسْلِمُ يُـمْسِكُ عَنِ الشَّهَوَاتِ فِي نَـهَارِ الصِّيَامِ، لِمَاذَا؟ نِيَّتُهُ أَنْ يَتَقَرَّبَ إِلَى اللهِ بِتَـرْكِ مُشْتَهَيَاتِ النَّفْسِ، يَرْجُو بِـهَا وَعْدَ اللهِ الصَّادِقَ لِلصَّائِمِيـنَ، ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [سُورَة الزُّمَر/10]. إِنْ حَصَلَتْ هَذِهِ النِّيَّةُ فِي القَلْبِ مَعَ عَمَلِ البِـرِّ حَصَلَ الثَّوَابُ. فَالنَّجَاةُ وَالثَّوَابُ العَظِيمُ وَالأَجْرُ الـجَزِيلُ فِي إِتْقَانِ العَمَلِ وَحُسْنِ النِّيَّةِ، مَنْ أَتْقَنَ عَمَلَهُ وَأَحْسَنَ نِيَّتَهُ، وَأَخْلَصَ فِي نِيَّتِهِ للهِ تَعَالَى، أَيْ لَمْ يُدْخِلْ فِيهَا الرِّيَاءَ كَانَ لَهُ الثَّوَابُ الـجَزِيلُ وَالأَجْرُ الكَبِيـرُ. قَدْ يُـحَقِّرُ الإِنْسَانُ الـحَسَنَةَ مِنَ الـحَسَنَاتِ لِكَوْنِـهَا عِنْدَ النَّاسِ لَا شَأْنَ لَـهَا لَكِنَّهَا عِنْدَ اللهِ تَعَالَى لَـهَا شَأْنٌ عَظِيمٌ. الـحَسَنَةُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى بِعَشْرِ أَمْثَالِـهَا، هَذَا أَقَلُّ مَا يُـجَازَى بِهِ العَبْدُ الـمُسْلِمُ عَلَى الـحَسَنَةِ إِذَا عَمِلَهَا عَلَى حَسَبِ مَا أَمَرَ اللهُ، الـحَسَنَةُ الوَاحِدَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِـهَا وَيَزِيدُ اللهُ تَعَالَى مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ. «إِنَّـمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّـمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» مَعْنَاهُ مَنْ نَوَى خَيـرًا فَلَهُ خَيْـرٌ، وَمَنْ نَوَى شَرًّا فَعَلَيْهِ وِزْرٌ، مَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ فِي عَمَلِهِ للهِ تَعَالَى فَهُوَ الفَائِزُ وَمَنْ لَمْ تَكُنْ نِيَّتُهُ للهِ تَعَالَى فَهُوَ مِنَ الـخَاسِرِينَ. اللهم حسن العمل وبلّغ الأجل.

Designed and Developed by Hal taalam Team