Edit Template

رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ ذَكَّارًا

عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو: «رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ ذَكَّارًا» أَيْ كَثِيـرَ الذِّكْرِ لَكَ فِي كُلِّ الأَوْقَاتِ وَالأَحْوَالِ. إِنَّ مِنْ أَزْكَى الأَعْمَالِ وَخَيْـرِ الـخِصَالِ وَأَحَبِّهَا إِلَى اللهِ ذِي الـجَلَالِ ذِكْرَ اللهِ تَعَالَى. الذَّاكِرُونَ اللهَ تَعَالَى هُمُ السَّبَّاقُونَ الَّذِينَ سَبَقُوا غَيْـرَهُمْ فِي نَيْلِ الدَّرَجَاتِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ ذِكْرِهِمْ، رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «سَبَقَ الـمُفَرِّدُونَ» الـمُفَرِّدُونَ أَنْفُسَهُمْ عَنْ أَقْرَانِـهِمْ الـمُمَيِّزُونَ أَحْوَالَـهُمْ عَنْ إِخْوَانِـهِمْ لِأَنَّـهُمْ أُفْرِدُوا بِذِكْرِ اللهِ عَمَّنْ لَمْ يَذْكُرِ اللهَ، قَالُوا: وَمَا الـمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللهِ؟! وَكَأَنَّـهُمْ قَالُوا: وَمَا صِفَةُ الـمُفَرِّدِينَ حَتَّى نَتَأَسَّى بِـهِمْ، قَالَ: «الذَّاكِرُونَ اللهَ كَثِيـرًا وَالذَّاكِرَاتُ». وَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ أَعَدَّ اللهُ لَـهُمُ الـمَنْزِلَةَ الكَرِيـمَةَ وَالثَّوَابَ العَظِيمَ: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [سُورَة الأَحْزَاب/35].

ذِكْرُ اللهِ هُوَ حَيَاةُ القُلُوبِ، رَوَى البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الـحَيِّ وَالـمَيِّتِ». وَهَذَا الـمَثَلُ أَبْلَغُ مَا يَكُونُ فِي تَصْوِيرِ هَذِهِ الـحَقِيقَةِ. وَمَهْمَا قَالَ القَائِلُونَ، وَتَكَلَّمَ الشُّرَّاحُ فِي بَيَانِـهَا فَإِنَّـهُمْ لَا يَبْلُغُونَ هَذَا الـمَعْنَى، فَالذِّكْرُ فِيهِ حَيَاةُ القَلْبِ، أَمَّا الَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ فقَلْبُهُ يكُونُ كَحَالِ الـمَيِّتِ الَّذِي فَارَقَتْ رُوحُهُ جَسَدَهُ. فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الَّذَي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ بِـهَذِهِ الـمَثَابَةِ، وَهَذَا الـمَوْتُ هُوَ مَوْتُ القَلْبِ. فَكُلَّمَا كَانَ العَبْدُ ذَاكِرًا للهِ أَكْثَرُ كَانَتْ حَيَاتُهُ أَتَـمَّ وَأَكْمَلَ. وَليسَ للقُلُوبِ قَرَارٌ ولا طُمَأنِينَةٌ وَلَا هَنَاءَةٌ وَلَا لَذَّةٌ، وَلَا سَعَادَةٌ إلَّا بِذِكْرِ اللهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [سُورَة الرَّعْد/28]، بِذِكْرِ اللهِ تَعَالَى الفَرَجُ بَعْدَ الشِّدَّةِ، وَاليُسْرُ بَعْدَ العُسْرِ، وَالفَرَحُ بَعْدَ الغَمِّ وَالـهَمِّ، وَهُوَ تَفْرِيجُ الكُرُبَاتِ، وَتَيْسِيـرُ الأُمُورِ، وَتَـحَقُّقُ الرَّاحَةِ وَالسَّعَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَا عُولِـجَ كَرْبٌ وَلَا أُزِيلَتْ شِدَّةٌ بِـمِثْلِ ذِكْرِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فِي صَحِيحِ ابنِ حِبَّانَ وَمُعْجَمِ الطَّبَـرَانِيِّ عَنْ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ، قَالَ: «آخِرُ مَا فَارَقْتُ عَلَيْهِ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ قُلْتُ لَهُ: أَيُّ الأَعْمَالِ خَيْـرٌ وَأَقْرَبُ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: أَنْ تَـمُوتَ وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ» أَيْ دَاوِمْ عَلَى ذِكْرِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. هَذِهِ وَصِيَّةٌ غَالِيَةٌ قَالَـهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَحُثَّ أُمَّتَهُ وَيُرْشِدَهَا إِلَى الـمُدَاوَمَةِ عَلَى ذِكْرِ اللهِ مِنْ تَسْبِيحِهِ وَتَـحْمِيدِهِ وَنَـحْوِ ذَلِكَ، فَذِكْرُ اللهِ تَعَالَى مِنْ أَجَلِّ العِبَادَاتِ وَأَحَبِّهِا إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ، ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى فِيهِ تَزْكِيَةً لِلنُّفُوسِ وَتَقْوِيَةً لِلْإِيـمَانِ وَزِيَادَةً فِي اليَقِيـنِ، فَالـمُلَازِمُ لِذِكْرِ اللهِ فِي كَافَّةِ أَحْوَالِهِ، لَا تَرَاهُ إِلَّا سَبَّاقًا إِلَى طَاعَةِ اللهِ، وَقَّافًا عِنْدَ حُدُودِهِ، قَائِمًا بِأَمْرِهِ، مُدْبِرًا عَنِ الدُّنْيَا، مُقْبِلًا عَلَى الآخِرَةِ. اللهم اجعلنا من عبادك الذاكرين لك الخاشعين القانتين التوابين الأوابين.

Designed and Developed by Hal taalam Team