Edit Template

تَقَبَّلْ تَوْبَتِي، وَاغْسِلْ حَوْبَتِي

عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو تعليما لأمته فيقول «تَقَبَّلْ تَوْبَتِي، وَاغْسِلْ حَوْبَتِي، قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام: «تَقَبَّلْ تَوْبَتِي» أَيِ اجْعَلْهَا صَحِيحَةً بِشَرَائِطِهَا وَآدَابِـهَا، وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي. مَنْ تَابَ تَوْبَةً صَحِيحَةً أَعْضَاؤُهُ وَالأَرْضُ لَا يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ بِـمَا كَانَ فَعَلَهُ مِنَ الـمَعَاصِي، كَأَنَّهُ مَا عَمِلَ. كُلُّ ذَنْبٍ تَابَ مِنْهُ الإِنْسَانُ تَوْبَةً صَحِيحَةً لَا يُؤَاخَذُ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ ذَلِكَ الذَّنْبَ. مَا مَعْنَى «تَابَ»؟ مَعْنَى «تَابَ» إِنْ كَانَ تَارِكَ صَلَاةٍ يَقْضِي تِلْكَ الصَّلَوَاتِ الَّتِي فَاتَتْ، هَذَا مَعْنَى التَّوْبَةِ، مَعَ النَّدَمِ يَقْضِي. التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ، إِنَّـمَا الـخَطَرُ عَلَى مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَتُبْ هَذَا الَّذِي تَشْهَدُ عَلَيْهِ الأَرْضُ بِـمَا عَمِلَ عَلَيْهَا.

قَالَ تَعَالَى فِي القُرْءَانِ الكَرِيـمِ: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [سُورَة النِّسَاء/18]. فَالتَّوْبَةُ تُقْبَلُ فِي الوَقْتِ الَّذِي تَكُونُ مَقْبُولُةً فِيهِ، فَمَنْ تَابَ تَوْبَةً صَادِقَةً بِأَنْ أَقْلَعَ عَنِ الذَّنْبِ وَنَدِمَ عَلَيْهِ وَعَزَمَ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ إِلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ فَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ».

وَأما قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: «وَاغْسِلْ حَوْبَتِي» مَعْنَاهُ امْحُ ذَنْبِي وَإِثْـمِي، وَذَكَرَ الغَسْلَ لِيُفِيدَ إِزَالَتَهُ بِالكُلِّيَّةِ. رَوَى البُخَارِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي وَمَا تَأَخَّرَ» مَعْنَاهُ اغْفِرْ لِي مَا سَبَقَ مِنْ ذُنُوبِي فِي سَابِقِ حَيَاتِي، وَاغْفِرْ مَا يُـمْكِنُ أَنْ يَصْدُرَ مِنِّي مِنْ ذُنُوبٍ فِي الـمُسْتَقْبَلِ؛ وَهَذَا دُعَاءٌ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَبِّهِ بِغُفْرَانِ الذُّنُوبُ وَالـخَطَايَا مَعَ أَنَّهُ قَدْ غَفَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَلَكِنَّهُ كَانَ مِنْ بَابِ الشُّكْرِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَعْلِيمًا لِأُمَّتِهِ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا». وَرَدَ فِي الـحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ فَدَخَلَ فِي الفِرَاشِ فَمَسَّ جَسَدُهُ جَسَدَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا فَقَالَ لَـهَا: «ذَرِينِي أَتَعَبَّدُ رَبِّي» ثُمَّ قَامَ وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى فَقَامَ فَبَكَى فَابْتَلَّتْ لِـحْيَتُهُ، فَرَكَعَ فَبَكَى فَسَجَدَ فَبَكَى فَابْتَلَّ التُّـرَابُ الَّذِي بِـمُحَاذَاتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: «لِـمَ هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ»؟ فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا». فالعجب ممن يؤثر الدنيا على الآخرة، والعجب ممن يعلم أنه مفارق الدنيا كيف ينكبُّ عليها، والله تعالى يقول: {وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}. فلا تفوت على نفسك الخيرات، وكن متعلق القلب بأعمال البر، بالأعمال الصالحة، بالفرائض والنوافل.

اللهم تقبل توبتي واغسل حوبتي، اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني.

Designed and Developed by Hal taalam Team