Edit Template

إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ بَيْـنَ إِصْبَعَيْـنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَـٰنِ

روى أحمد أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ بَيْـنَ إِصْبَعَيْـنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَـٰنِ» أَيْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ يَتَصَرَّفُ فِيهَا كَيْفَ يَشَاءُ، يُقَلِّبُهَا مِنْ غَيْـرِ أَنْ يَلْحَقَهُ تَعَبٌ وَمَشَقَّةٌ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَيْـنَ إِصْبَعَيْـنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَـٰنِ» إِنَّـهَا أَيْ قُلُوبُ العِبَادِ تَـحْتَ قَبْضَةِ اللهِ وَتَصَرُّفِهِ لَا تَـخْرُجُ عَنْ قَبْضَتِهِ فَإِنْ شَاءَ أَقَامَهَا وَجَعَلَهَا عَلَى الصَّوَابِ وَإِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى أَزَاغَهَا أَيْ يُـحَرِّكُهَا إِلَى البَاطِلِ وَالضَّلَالِ.

هَذَا الـحَدِيثُ مَنْ فَسَّرَهُ عَلَى الظَّاهِرِ جَعَلَ اللهَ كَالبَشَرِ، إِنَّـمَا مَعْنَاهُ اللهُ يُقَلِّبُ قُلُوبَ العِبَادِ كَيْفَ يَشَاءُ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ اللهَ لَهُ شَكْلُ أَصَابِعٍ كَالأَصَابِعِ الَّتِي نَـحْنُ نَعْهَدُهَا مِنْ أَنْفُسِنَا وَالَّتِي هِيَ جَسَدٌ. الـجَسَدُ مُسْتَحِيلٌ عَلَى اللهِ، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ [سُورَة الشُّورَى/11]. لِـم عَبَّر النبي صلى الله عليه وسلم بهذه العبارة؟ اللهُ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى نَبِيِّهِ أَنْ يُعَبِّـرَ بِـهَذِهِ العِبَارَةِ وهَذَا أُسْلُوبٌ مِنْ أَسَالِيبِ البَلَاغَةِ فِي اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ. فإذا كان الإِنْسَانُ لَا يَـمْلِكُ مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى قَلْبَهُ، كَيْفَ يَـمْلِكُ جَوَارِحَهُ؟ عَيْنَهُ وَيَدَهُ وَرِجْلَهُ وَلِسَانَهُ وَسَـمْعَهُ؟ العَبْدُ لَا يَـمْلِكُ شَيْئًا مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى، كُلُّ أَجْزَاءِ العَبْدِ هِيَ مِلْكٌ للهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ هُوَ أَنْشَأَهَا مِنَ العَدَمِ.

ثُمَّ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زِيَادَةً فِي البَيَانِ وَتَفْوِيضًا لِلْأُمُورِ إِلَى اللهِ تَعَالَى: «اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ القُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، هَذَا مِنْ كَمَالِ التَّسْلِيمِ للهِ تَعَالَى، «اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ القُلُوبِ» أَيْ مُقَلِّبَهَا كَيْفَ يَشَاءُ مَعْنَاهُ يَا اللهُ أَنْتِ الَّذِي تُصَرِّفُ القُلُوبَ، أَنْتَ تُوَجِّهُهَا كَمَا تَشَاءُ، إِنْ شِئْتَ تُوَجِّهُهَا إِلَى الـخَيْـرِ وَإِنْ شِئْتَ تَصْرِفُهَا إِلَى الضَّلَالِ. «صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ»، وَجِّهْ قُلُوبَنَا إِلَى طَاعَتِكَ أَيْ أَنْتَ مَالِكُ الأَمْرِ كُلِّهِ، هَذَا الـحَدِيثُ مِنْ أَصْرَحِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ خَالِقُ أَفْعَالِ العِبَادِ حَتَّى القَلْبِيَّةِ. لَوْ كَانَ الإنسان يَـخْلُقُ شَيْئًا مِنْ أَعْمَالِهِ لَـخَلَقَ تَصَرُّفَاتِ قَلْبِهِ. قَالَ البَيْهَقِيُّ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مُعَلِّمًا أُمَّتَهُ: «اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ» انْتَهَى قَوْلُ البَيْهَقِيِّ فِي كِتَابِهِ الِاعْتِقَادِ.

ثُمَّ مِـمَّا يَدُلُّ دِلَالَةً صَحِيحَةً عَلَى إِثْبَاتِ مَذْهَبِ أَهْلِ الـحَقِّ وَالَّتِي سَـمَّاهَا عُلَمَاءُ التَّوْحِيدِ قَاصِمَةَ الظَّهْرِ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا﴾ فَإِذَا كَانَ تَصْرِيفُ القُلُوبِ بِيَدِ اللهِ فَكَيْفَ الأَعْمَالُ الـخَارِجِيَّةُ؟! هِيَ بِالأَوْلَى مِنْ خَلْقِ اللهِ تَعَالَى.

وهناك أَدِلَّةٌ أُخْرَى مِنَ القُرْءَانِ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الأَعْمَالَ القَلْبِيَّةَ أَيْضًا مَـخْلُوقَةٌ للهِ تَعَالَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ [سُورَة الأَنْعَام/110] فِي هَذِهِ الآيَةِ يُخْبَـرَنَا بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَـخْلُقُ تَقَلُّبَاتِ وَتَـحَرُّكَاتِ القَلْبِ وَتَقَلُّبَاتِ البَصَرِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، كُلُّ ذَلِكَ بِـخَلْقِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، إِنْ لَمَحْنَا لَمْحَةً فَاللهُ هُوَ خَالِقُهَا وَإِنْ طَرَفْنَا طَرْفَةً فَاللهُ هُوَ خَالِقُ هَذِهِ الطَّرْفَةِ لَسْنَا نَـحْنُ خَالِقِيهَا.

Designed and Developed by Hal taalam Team