Edit Template

يَا غُلَامُ احْفَظِ اللهَ يَـحْفَظْكَ

أما بعد فَقَدْ أَرْدَفَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَكَانَ غُلَامًا وَرَاءَ ظَهْرِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ: «يَا غُلَامُ احْفَظِ اللهَ يَـحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَـجِدْهُ تُـجَاهَكَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّـرْمِذِيُّ. وَاعْلَمُوا أَنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «احْفَظِ اللهَ يَـحْفَظْكَ احْفَظِ اللهَ تَـجِدْهُ تُـجَاهَكَ» فَسَّرَهُ بَعْضُ العُلَمَاءِ فَقَالَ: احْفَظْ أَوَامِرَ اللهِ تَعَالَى فِي الرَّخَاءِ يَـحْفَظُكَ اللهُ تَعَالَى عِنْدَ الشِّدَّةِ، احْفَظْ أَوَامِرَ اللهِ تَعَالَى فِي حَالِ صِحَّتِكَ يَـحْفَظْكَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ مِنْ كَيْدِ الشَّيْطَانِ وَيُنْجِيكَ مِنْهُ.

اتَّقُوْا اللهَ وَلَاحِظُوا أَوْلَادَكُمْ وَاعْتَنُوا بِـهِمْ مِنْ أَوَّلِ نَشْأَتِـهِمْ بَلْ مِنْ أَوَّلِ وِلَادَتِـهِمْ، فَمِنَ السُّنَّةِ عِنْدَمَا يُولَدُ الـمَوْلُودُ أَنْ تُؤَذِّنَ فِي أُذُنِهِ فَتَكُونُ أَوَّلُ كَلِمَةٍ تَطْرُقُ قَلْبَهُ «اللهُ أَكْبَـرُ»، وَإِذَا أَرَادَ الكَلَامَ فَأَوَّلُ كَلِمَةٍ يَنْطِقُ بِـهَا هِيَ كَلِمَةُ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» لِقَوْلِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «افْتَحُوا عَلَى صِبْيَانِكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» رَوَاهُ الـحَاكِمُ. ثُمَّ تُغْرَسُ فِي نَفْسِهِ مَعَانِي اليَوْمِ الآخِرِ.

اعْلَمُوا أَنَّ أَوْلَادَنَا أَمَانَةٌ فِي أَعْنَاقِنَا فَلَا يَـجُوزُ لَنَا إِهْمَالُـهُمْ بَلْ يَـجِبُ عَلَيْنَا رِعَايَتُهُمْ وَتَعْلِيمُهُمْ مُنْذُ الصِّغَرِ، فَالوَلَدُ كَالإِنَاءِ الفَارِغ قَابِلٌ لِكُلِّ مَا تَـمْلَؤُهُ، وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ فِي القُرْآنِ الكَرِيـمِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [سُورَة التَّحْرِيـم/6]. قَالَ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي تَفْسِيـرِ هَذِهِ الآيَةِ كَمَا رَوَاهُ الـحَاكِمُ: «عَلِّمُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمُ الـخَيْـرَ» أَيْ أُمُورَ الدِّينِ فَمَنْ تَعَلَّمَ لِنَفْسِهِ ضَرُورِيَّاتِ عِلْمِ الدِّينِ وَعَلَّمَ أَهْلَهُ فَقَدَ حَفِظَ نَفْسَهُ وَأَهْلَهُ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ أَهْلَكَ نَفْسَهُ وَأَهْلَهُ.

فَاتَّقُوا اللهَ فِي أَوْلَادِكُمْ، لَا تُضَيِّعُوهُمْ، بَعْضُ النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّ تَرْبِيَةَ الوَلَدِ أَنْ يُعْطَى الـمَالَ، تُشْتَـرَى لَهُ السَّيَّارَةُ، تُوَفَّرُ لَهُ الشَّهَوَاتُ، وَيَقُولُ أَنَا وَاللهِ مَا قَصَّرْتُ مَعَ ابْنِي، فَأَنْتَ أَعْطَيْتَهُ وَسَائِلَ الفَسَادِ، مَلَأْتَ جَيْبَهُ بِالـمَالِ، وَأَعْطَيْتَهُ السَّيَّارَةَ الَّتِي يَذْهَبُ بِـهَا إِلَى حَيْثُ يَشَاءُ، فَأَنْتَ عَرَّضْتَهُ لِلْفَسَادِ، نَعَمْ نَقُولُ أَعْطِ وَلَدَكَ، أَنْفِقْ عَلَيْهِ، اشْتَـرِ لَهُ سَيَّارَةً؛ لَكِنْ لَاحِظْهُ وَرَاقِبْ تَصَرُّفَاتِهِ وَلَا تُـهْمِلْهُ، لَا تُـهْمِلْ وَلَدَكَ حَتَّى يَكْبُـرَ وَيَصِيـرَ رَجُلًا يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ، مَا دَامَ أَنَّهُ دُونَ البُلُوغِ فَهُوَ فِي عُهْدَتِكَ، وَأَنْتَ مَسْؤُولٌ عَنْهُ، وَفَسَادُهُ بِسَبَبِكَ، وَبِسَبَبِ إِهْمَالِكَ. فَاتَّقُوا اللهَ فِي أَوْلَادِكُمْ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [سُورَة النِّسَاء/11]، فَالأَوْلَادُ حِمْلٌ حَمَّلَ اللهُ بِهِ الوَالِدَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَّقِيَ اللهَ، أَمَانَةٌ ائْتَمَنَهُ اللهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَّقِيَ اللهَ فِي أَمَانَتِهِ، الوَلَدُ لَا شَكَّ يَـحْتَاجُ إِلَى تَعَبٍ، يَـحْتَاجُ إِلَى صَبْـرٍ، فَالَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ صَبْـرٌ وَلَا يَصْبِـرُ عَلى التَّعَبِ مَعَ وَلَدِهِ فَإِنَّهُ يُضَيِّعُهُ. إِنَّ عَلَى الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ أَنْ يَضَعُوا مَصْلَحَةَ أَبْنَائِهِمُ الأُخْرَوِيَّةَ فَوْقَ كُلِّ اعْتِبَارٍ وَمَصْلَحَةٍ، وَأَنْ يَعْمَلُوا عَلَى تَطْبِيقِ نَصَائِحِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي عَلَّمَنَا وَوَجَّهَنَا إِلَى الطَّرِيقَةِ الفُضْلَى فِي التَّـرْبِيَةِ، فَإِنَّ العِلْمَ فِي الصِّغَرِ كَالنَّقْشِ فِي الـحَجْرِ وَمَتَى شَبَّ عَلَى شَىْءٍ شَابَ عَلَيْهِ وَمتَى عَوَّدَهُ أَبَوَاهُ عَلَى الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالطَّاعَةِ صَغِيـرًا وَجَدَ نَفْسَهُ مُعْتَادًا مُوَاظِبًا عَلَيْهَا كَبِيـرًا.

Designed and Developed by Hal taalam Team