Edit Template

الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ

إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى جَعَلَ هَذِهِ الدُّنْيَا مَرْحَلَةً يَنْتَقِلُ مِنْهَا إِلَى الآخِرَةِ، فَالعَاقِلُ مَنْ يَنْتَهِزُ الفُرْصَةَ، فُرْصَةَ الـحَيَاةِ وَفُرْصَةَ الشَّبَابِ وَفُرْصَةَ الفَرَاغِ وَفُرْصَةَ الِاسْتِطَاعَةِ لِاكْتِسَابِ زَادِ الآخِرَةَ. وَأَمَّا مَنْ غَفَلَ عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ خَاسِرٌ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الـمَوْتِ وَالعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَـمَنَّى عَلَى اللهِ الأَمَانِيَّ» رَوَاهُ التِّـرْمِذِيُّ.

مَعْنَى الـحَدِيثِ أَنَّ الإِنْسَانَ العَاقِلَ الكَيِّسَ هُوَ الَّذِي يَعْرِفُ مَا هُوَ صَالِحٌ لَهُ، هُوَ الَّذِي يَغْلِبُ نَفْسَهُ عَلَى أَدَاءِ الطَّاعَاتِ وَاكْتِسَابِ العِبَادَاتِ وَيَغْلِبُ نَفْسَهُ فِي زَجْرِهَا وَمَنْعِهَا عَنِ الـمَعَاصِي.

وَأَمَّا الَّذِي يَتْـرُكُ نَفْسَهُ مَعَ هَوَاهَا مَعَ مَا تَشْتَهِيهِ مِنْ مَلَذَّاتِ الدُّنْيَا وَيَسْتَـرْسِلُ فِي الـمَعَاصِي فَهَذَا الَّذِي سَـمَّاهُ الرَّسُولُ «العَاجِز» فَهُوَ العَاجِزُ فِي فَهْمِ مَا يَصْلُحُ لَهُ فِي آخِرَتِهِ، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «وَالعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَـمَنَّى عَلَى اللهِ الأَمَانِيَّ» ثُمَّ مَعَ هَذَا يَتَمَنَّى عَلَى اللهِ الأَمَانِيَّ أَيْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَرْحَمُهُ وَيُكْرِمُهُ بَعْدَ الـمَوْتِ، يَتَمَنَّى لِنَفْسِهِ ذَلِكَ مَعَ اسْتِـرْسَالِهِ فِيمَا تَشْتَهِيهِ نَفْسُهُ وَتَكَاسُلِهِ عَنْ طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى أَيْ عَنِ التَّزَوُّدِ لِلْآخِرَةِ.

فَهَيِّؤُوا الزَّادَ لِيَوْمِ الـمَعَادِ، وَحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُـحَاسَبُوا، وَاسْتَعِدُّوا لِيَوْمٍ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَنْ تَدْخُلُوا حُفْرَةَ القَبْـرِ، وَالقَبْـرُ بَابٌ وَكُلُّ النَّاسِ دَاخِلُهُ، وَمَلَكُ الـمَوْتِ لَا يَسْتَأْذِنُ كَبِيـرًا كَمَا لَا يَسْتَأْذِنُ صَغِيـرًا، لَا يَتْـرُكُ قَوِيًّا مُعَافًى كَمَا لَا يَتْـرُكُ مَرِيضًا سَقِيمًا أَوْ شَيْخًا هَرِمًا، فَأَقْبِلُوا إِلَى آخِرَتِكُمْ بِالطَّاعَةِ وَالتَّوْبَةِ قَبْلَ الـمَوْتِ.

فَالفَلَاحُ وَالنَّجَاحُ وَالفَوْزُ فِي الآخِرَةِ بِتَعَلُّمِ عِلْمِ الدِّينِ وَالعَمَلِ بِهِ، مِـمَّا يُسَاعِدُ عَلَى أَمْرِ الآخِرَةِ وَالإِكْثَارِ مِنْ ذِكْرِ الـمَوْتِ، فَفِي الصَّحِيحِ رَوَى السُّيُوطِيُّ أَنَّ الرَّسُولَ قَالَ: «أَكْيَسُ النَّاسِ أَكْثَرُهُمْ ذِكْرًا لِلْمَوْتِ» أَيْ أَعْقَلُ النَّاسِ أَكْثَرُهُمْ ذِكَرًا لِلْمَوْتِ لِأَنَّ الَّذِي يُكْثِرُ مِنْ ذِكْرِ الـمَوْتِ يَسْتَعِدُّ لَهُ، أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ الـمَوْتِ حَتَّى تَكُونُوا مُسْتَعِدِّينَ لِمَصَالِحِ الدِّينِ وَالآخِرَةِ.

عِلْمُ الدِّينِ هُوَ دَلِيلُ الفَلَاحِ هُوَ دَلِيلُ النَّجَاةِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَلِأَنَّهُ يَـحْفَظُ مَنْ عَمِلَ بِهِ مِنْ إِضَاعَةِ حُقُوقِ اللهِ وَحُقُوقِ العِبَادِ، يَـجْعَلُهُ مُـحَافِظًا عَلَى حُقُوقِ اللهِ وَحُقُوقِ العِبَادِ. وَأَمَّا فِي الآخِرَةِ فَلِأَنَّهُ يَكونُ مُهْتَدِيًا لِلنَّجَاةِ.

فَمَنْ تَعَلَّمَ عِلْمَ الدِّينِ الضَّرُورِيَّ وَأَدَّى الوَاجِبَاتِ وَاجْتَنَبَ الـمُحَرَّمَاتِ، إِنْ كَانَ ذَكَرًا وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَهُوَ مِنْ عِبَادِ اللهِ الَّذِينَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَـحْزَنُونَ. قَبْلَ الـمَوْتِ تُبَشِّرُهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَعَزْرَائِيلُ يُبَشِّرُهُ أَيْضًا بِأَنَّهُ إِلَى الـجَنَّةِ وَأَنَّ اللهَ رَاضٍ عَنْهُ، يُبَشِّرُهُ بِذَلِكَ فَيَمْتَلِئُ سُرُورًا مَهْما كَانَ فِي سَكَرَاتِ الـمَوْتِ هُوَ مُتَأَلِّمًا. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ تُصْلِحُ بِـهَا شَأْنِي فِي الدَّارَيْنِ، وَارْحَمْنِي رَحْمَةً مِنْكَ أَسْعَدُ بِـهَا فِي الدَّارَيْنِ، وَتُبْ عَلَيَّ تَوْبَةً نَصُوحًا لَا أَنْكُثُهَا أَبَدًا، وَأَلْزِمْنِي سَبِيلَ الِاسْتِقَامَةِ لَا أَزِيغُ عَنْهَا أَبَدًا.

Designed and Developed by Hal taalam Team