Edit Template

الـمُسْتَشَارُ مُؤْتَـمَنٌ

وَبَعْدُ فَقَدْ رَوَى التِّـرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الـمُسْتَشَارُ مُؤْتَـمَنٌ» حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَمَعْنَاهُ مَطْلُوبٌ مِنْهُ أَنْ يُنَاصِحَ مَنِ استَشَارَهُ، لَا يَدُلُّهُ إِلَّا عَلَى مَا يَرَاهُ خَيـرًا لَهُ. إِنْ دَلَّهُ عَلَى خِلَافِ مَا يَرَاهُ مَصْلَحَةً لَهُ فَقَدْ خَانَ. وَفِي هَذَا الـحَدِيثِ أَنَّ عَلَى الـمُسْلِمِ إِذَا اسْتُشِيـرَ أَنْ يُـخْلِصَ النُّصْحَ، وَيُشِيـرَ بِأَحْسَنِ مَا يَظْهَرُ لَهُ مِنْ مَصْلَحَةِ الـمُسْتَشِيـرِ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَأَنْ يَنْظُرَ لَهُ نَظَرَهُ لِنَفْسِهِ، وَنَظَرَهُ لِأَحَبِّ النَّاسِ إِلَيْهِ كَابْنِهِ وَأَخِيهِ. فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ حِيـنَ اسْتَشَارَتِ النَّبِيَّ فِي أَبِي جَهْمٍ وَمُعَاوِيَةَ وَكَانَ أَرَادَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا: قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ خَطَبَنِي مُعَاوِيَةُ وَأَبُو جَهْمٍ»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ العَصَا عَنْ عَاتِقِهِ (أَيْ ضَرَّابٌ لِلنِّسَاءِ) وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، انْكِحِي أُسَامَةَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

فَيَجِبُ عَلَى الـمُسْلِمِ أَنْ يَنْصَحَ لِأَخِيهِ وَيُرْشِدَهُ إِلَى مَا فِيهِ طَرِيقُ السَّلَامَةِ وَالنَّجَاةِ فَإِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم، وَالنَّصِيحَةُ هِيَ أَنْ يُعِيـنَ الرَّجُلُ أَخَاهُ عَلَى مَا يُرْضِي اللهَ وَيَبْتَعِدَ عَمَّا يُسْخِطُ اللهَ، فَمَنْ عَمِلَ بِـهَذَا فَهُوَ مِنَ الـمُفْلِحِيـنَ وَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ فَهُوَ مِنَ الـخَاسِرِينَ.

فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَكْذِبَ عَلَى أَخِيهِ الـمُسْلِمِ فِي مُـحَادَثَتِهِ إِيَّاهُ، فَمِنْ بَابِ أَوْلَى أَنْ لَا يَكْذِبَ عَلَيْهِ فِي مَشُورَتِهِ لِمَا يَتَـرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ مَفَاسِدَ عَظِيمَةٍ، وَلِمَا يَتَـرَتَّبُ عَلَى الصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ فِي التَّعَامُلِ مِنْ خَيْـرٍ عَظِيمٍ وَنَفْعٍ عَمِيمٍ.

رَوَى البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «آيَةُ الـمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُـمِنَ خَانَ». هذا الحديثُ فُسِّر بالمنافق في الأعمال، ومعناه أن هذا الإنسان يغلب الكذب في كلامه، إذا حدّث كذب معناه يكثر الكذب في كلامه، وليس مراد النبي صلى الله عليه وسلم الإنسان الذي يحصل منه الكذب بنُدرة، كذلك يكثر منه الإخلاف في الوعد والخيانة.

هَذَا الـحَدِيثُ مِنَ الكَلَامِ البَلِيغِ الَّذِي أُعْطِيَهُ نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَدْ أُعْطِيَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ جَوَامِعَ الكَلِمِ، أَيِ الكَلِمَةَ الَّتِي أَلْفَاظُهَا وَجِيزَةٌ وَمَعَانِيهَا وَاسِعَةٌ جِدًّا. قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أُوتِيْتُ جَوَامِعَ الكَلِمِ» ومَعْنَاه أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَعْطَاهُ كَلِمَاتٍ كَثِيرَةً كُلُّ كَلِمَةٍ تَـجْمَعُ مَعَانٍ كَثِيـرَةً، اللهُ تَعَالَى اخْتَصَّ نبينَا مُحَمَّدًا مِنْ دُونِ الأَنْبِيَاءِ بهذا، فَهُوَ أَفْصَحُ الأَنْبِيَاءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الـمُسْتَشَارُ مُؤْتَـمَنٌ» وَفِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ الـمَسْؤُولِيَّةِ وَقَدْرِهَا، فَهِيَ أَمَانَةٌ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِالـمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا. رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا، وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ.

Designed and Developed by Hal taalam Team