Edit Template

وَانْصُرْنِي

عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو: «رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ فَقَوْلُهُ: «وَانْصُرْنِي» عَلَى أَعْدَائِي، هَذَا طَلَبٌ لِلنُّصْرَةِ فِي كُلِّ الأَحْوَالِ، «وَانْصُرْنِي» أَيْ بِـمَا نَصَرْتَ بِهِ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، اللهُ تَعَالَى يَنْصُرُ أَنْبِيَاءَهُ وَأَوْلِيَاءَهُ بِالـحُجَّةِ، الـحُجَّةُ دَائِمًا مَعَهُمْ، الـحَقُّ دَائِمًا مَعَهُمْ، مَهْمَا أَصَابَـهُمْ فِي الدُّنْيَا مِنَ الأَذَى، مِنَ الكُفَّارِ وَالـمَشَقَّاتِ فَالـحَقُّ مَعَهُمْ، فَهُمُ الـمَنْصُورُونَ.

مَنْ مَعَهُ الـحَقَّ فَهُوَ الـمُنْتَصِرُ لَوْ كَانَ بِالظَّاهِرِ قُتِلَ بِيَدِ أَعْدَائِهِ، مَهْمَا تَعَذَّبَ فِي الدُّنْيَا، مَنْ كَانَ مَعَهُ الـحَقُّ فَهُوَ مُنْتَصِرٌ. الـمُؤْمِنُ إِذَا الكُفَّارُ اعْتَدَوْا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ وَنَـهَبُوا مَالَهُ أَوْ جَرَحُوا جِسْمَهُ وَعَذَّبُوهُ بِالـحَبْسِ وَالأَذَى فَهُوَ الـمُنْتَصِرُ عِنْدَ اللهِ لِأَنَّ الـحَقَّ مَعَهُ، أُولَئِكَ لَيْسَ مَعَهُمُ الـحَقُّ فِي الدُّنْيَا. الـمُؤْمِنُ مُنْتَصِرٌ لِأَنَّ الـحَقَّ مَعَهُ وَأَحْيَانًا أَيْضًا يَنْتَصِرُ ظَاهِرًا عَلَى الكُفَّارِ، الـمُؤْمِنُ مَنْصُورٌ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. اللهُ تَعَالَى نَصَرَ نُوحًا وَأَهْلَكَ أَعْدَاءَهُ الَّذِينَ تَـمَرَّدُوا عَلَيْهِ، الكُفَّارُ كُلُّهُمْ مَاتُوا الصِّغَارُ وَالأَوْلَادُ، الأَطْفَالُ وَالنِّسَاءُ كُلُّهُمْ، ثُمَّ نُوحٌ وَمَنْ آمَنَ بِهِ أَنْـجَاهُمُ اللهُ. اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى جَعَلَ عَاقِبَةَ نُوحٍ الفَوْزَ وَالنُّصْرَةَ وَالنَّجَاةَ، وَأَمَّا عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ وَكَفَرُوا بِهِ وَبِالَّذِي خَلَقَهُ وَخَلَقَهُم فالـهَلَاكُ، أَهْلَكَهُمُ اللهُ تَعَالَى. هَذَا الفَضْلُ نَالَهُ نُوحٌ بِالصَّبْـرِ، نَالَ هَذَا الفَضْلَ بِالصَّبْـرِ لِأَنَّهُ صَبَـرَ فِي طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى وَثَبَتَ عَلَى الـحَقِّ، لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ شَكٌّ فِي أَنَّ مَا جَاءَهُ مِنَ الوَحْيِ حَقٌّ، مَا خَالَـجَ قَلْبَهُ شَكٌّ. وَهَكَذَا كُلُّ أَنْبِيَاءِ اللهِ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَكْرَمَهُمْ بِقُوَّةِ اليَقِيـنِ، كُلُّ أَنْبِيَاءِ اللهِ قُلُوبُـهُمْ رَاسِخَةٌ فِي الإِيـمَانِ، مَهْمَا آذَاهُمُ النَّاسُ وَكَذَّبُوهُمْ فَإِنَّـهُمْ لَا يَتَزَحْزَحُونَ عَنِ الـحَقِّ الَّذِي أَمَرَهُمُ اللهُ بِهِ، وَلَيْسَ مَعْنَى قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سُورَة الروم/47] أَنَّهُ فِي الدُّنْيَا لَا يُصِيبُهُمْ أَذًى مِنَ الكُفَّارِ وَإِهَانَةٌ وَقَتْلٌ وَنَـهْبٌ، لَا، لَيْسَ هَذَا الـمَعْنَى.

﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ النَّصْرَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ النَّصْرُ بِالـحُجَّةِ فِي الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ نُصْرَةُ الـمُؤْمِنِيـنَ ظَاهِرَةٌ. لِأَنَّ مَآلَ الكَافِرِ الوَيْلُ، وَالـخُسْرَانُ، وَالعَذَابُ الدَّائِمُ، مَهْمَا صَارَ عِنْدَهُ فِي الدُّنْيَا سُلْطَةٌ وَتَـمْكِيـنٌ فِي الأَرْضِ، هَذَا كَلَا شَىْءٍ، كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ، لِمَاذَا؟ لِأَنَّ مُدَّةَ الدُّنْيَا هَذِهِ قَصِيـرَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْآخِرَةِ، الآخِرَةُ لَا نِـهَايَةَ لَـهَا، فَالكُفَّارُ لَوْ عَاشَ أَحَدُهُمْ هُنَا أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ بِنَعِيمٍ وَبَسْطٍ وَمُلْكٍ فَإِنَّ نِـهَايَتَهُ الذُّلُّ وَالـهَوَانُ وَالعَذَابُ الأَلِيمُ. لِذَلِكَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَـحْشُرُ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَلَاثَةَ أَفْوَاجٍ:

أ- فَوْجٌ يُـحْشَرُونَ رَاكِبِيـنَ طَاعِمِيـنَ كَاسِيـنَ أَيْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَهُمْ لَابِسُونَ لَيْسُوا عُرَاةً. - فَوْجٌ يَـمْشُونَ عَلَى أَقْدَامِهِمْ حُفَاةً عُرَاةً وَفَوْجٌ يُـحْشَرُونَ يُـجَرُّونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ، يَـمْشُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ وَهُمْ كُفَّارٌ، أَمَّا الَّذِينَ يُـحْشَرُونَ رَاكِبِيـنَ طَاعِمِيـنَ كَاسِيـنَ فَهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالصَّالِـحُونَ، هَؤُلَاءِ يُـحْشَرُونَ رَاكِبِيـنَ لَا يَـمْشُونَ عَلَى أَقْدَامِهِمْ لِأَنَّ الآخِرَةَ دَارُ الكَرَامَةِ لَـهُمْ.

Designed and Developed by Hal taalam Team