Edit Template

وَامْكُرْ لِي وَلَا تَـمْكُرْ عَلَيَّ

عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو: «رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ وَامْكُرْ لِي وَلَا تَـمْكُرْ عَلَيَّ، الـخَامِسُ وَالسَّادِسُ قَوْلُهُ: «وَامْكُرْ لِي وَلَا تَـمْكُرْ عَلَيَّ» أَيِ امْكُرْ بِأَعْدَائِي الـمَاكِرِينَ وَأَوْقِعْ بِـهِمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ، وَلَا تَفْعَلْ ذَلِكَ بِي. وَمَكْرُ اللهِ لَيْسَ بِـمَعْنَى الـمَكْرِ الَّذِي يُنْسَبُ إِلَى العَبْدِ، الـمَكْرُ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَبْدِ نَقْصٌ أَمَّا مَكْرُ اللهِ بِالـمَاكِرِينَ فلَيْسَ نَقْصًا بَلْ دَلِيلٌ عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ، مَعْنَاهُ يُوصِلُ إِلَيْهِمُ الضَّرَرَ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ. الـمَكْرُ مِنَ الـخَلْقِ خُبْثٌ وَخِدَاعٌ لِإِيصَالِ الضَّرَرِ إِلَى الغَيْـرِ بِاسْتِعْمَالِ حِيلَةٍ، وَأَمَّا مِنَ اللهِ تَعَالَى فَهُوَ مُـجَازَاةُ الـمَاكِرِينَ بِالعُقُوبَةِ مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرُونَ. وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى: إِنَّ اللهَ أَقْوَى فِي إِيصَالِ الضَّرَرِ إِلَى الـمَاكِرِينَ مِنْ كُلِّ مَاكِرٍ جَزَاءً لَـهُمْ عَلَى مَكْرِهِمْ، فَالـمَكْرُ بِـمَعْنَى الِاحْتِيَالِ مُسْتَحِيلٌ عَلَى اللهِ. مَكْرُ العَبْدِ مَذْمُومٌ، أَمَّا مَكْرُ اللهِ فَلَا يُذَمُّ، لِأَنَّ اللهَ لَا يَـجُوزُ عَلَيْهِ الظُّلْمُ أَيْ لَا يَكُونُ ظَالِمًا إِنِ انْتَقَمَ مِنْ عِبَادِهِ الظَّالِمِيـنَ بِـمَا شَاءَ» اهـ.

فِرْعَوْنُ كَذَّبَ نَبِيَّ اللهِ مُوسَى وَهَارُونَ وَادَّعَى أَنَّهُ الإِلَهُ وَآذَى الـمُؤْمِنِيـنَ الَّذِينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ، وَهَدَمَ مَسَاجِدَهُمْ لِأَنَّـهُمْ مَا كَانُوا يُصَلُّونَ إِلَّا فِي الـمَسْجِدِ، ثُمَّ اللهُ أَوْحَى إِلَى مُوسَى أَنْ يَـجْعَلُوا بُيُوتَـهُمْ مَسَاجِدَ، ثُمَّ مُوسَى وَمَنْ آمَنَ مَعَهُ ذَهَبُوا فَتَجَاوَزُوا البَحْرَ فَلَحِقَهُمْ فِرْعَوْنُ، خَرَجَ وَمَعَهُ مِلْيُونٌ وَسَبْعُمِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ وَهُمْ كَانُوا سِتَّمِائَةِ أَلْفٍ، فَلَمَّا رَأَى البَحْرَ الَّذِي اجْتَازُوهُ صَارَ فِيهِ يَابِسَةٌ دَخَلَ فَالْتَطَمَ عَلَيْهِ البَحْرُ فَمَاتَ، هُوَ وَجَيْشُهُ، مَا بَقِيَ مِنْهُمْ أَحَدٌ. وَفِرْعَوْنُ مَا كَانَ يُفَكِّرُ أَنَّهُ يُصَابُ بِـهَذَا، هَذَا مَعْنَى ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [سُورَة آلِ عِمْرَان/54]، لَيْسَ مَعْنَاهُ اللهُ يَعْمَلُ حِيلَةً مِثْلَ مَا يَفْعَلُ العَبْدُ لِإِيصَالِ الضَّرَرِ إِلَى الغَيْـرِ. بَلْ مَكْرُ اللهِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي القُرْءَانِ جَزَاءُ العَبْدِ عَلَى مَكْرِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ العَبْدُ.

إِنَّنَا فِي دَارِ العَمَلِ وَلَسْنَا فِي دَارِ القَرَارِ، فَلَا بُدَّ أَنْ نُفَارِقَ الدُّنْيَا عَاجِلًا أَمْ آجِلًا، فَمَاذَا أَعْدَدْنَا لِمَا بَعْدَ الـمَوْتِ؟ اليَوْمَ العَمَلُ وَغَدًا الـحِسَابُ، فَحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُـحَاسَبُوا وَتَزَيَّنُوا لِيَوْمِ العَرْضِ، فَمَا أَحْوَجَنَا اليَوْمَ إِلَى الأَمَانَةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي مُـحَاسَبَةِ أَنْفُسِنَا فِيمَا أَسَرَّيْنَا وَأَعْلَنَّا، فِيمَا نُـخْفِي وَنُبْطِنُ. فَمَنْ فَقَدَ الأَمَانَةَ الشَّرْعِيَّةَ عَلَامَ يُوَلَّى؟! فَمَنْ لَمْ تَتَوَفَّرْ فِيهِ الأَمَانَةُ الشَّرْعِيَّةُ لِـمَ يُوَلَّى وَيَتَسَلَّمُ الـمَرَاكِزَ؟! الشَّأْنُ فِي الأَعْمَالِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى بِـمُوَافَقَةِ الشَّرْعِ وَالإِخْلَاصِ للهِ تَعَالَى. فَلَا يَكُنْ هَمُّكَ أَنْ يُذَاعَ صِيتُكَ أَوْ أَنْ يَرْضَى عَنْكَ النَّاسُ. فَالعَمَلُ بِالطَّاعَةِ مَأْمُورُونَ بِهِ مَعَ إِخْلَاصِ النِّيَّةِ للهِ تَعَالَى. اتَّقِ اللهَ فِي عَمَلِكَ، فَلَا تَكْذِبْ، وَلَا تَغُشَّ وَلَا تُـمَثِّلْ... بِطَاعَةِ اللهِ تَـحْلُو الأَوْقَاتُ. فَإِنَّ فِي التَّمَسُّكِ بِشَرْعِ اللهِ، وَبِتَقْوَى اللهِ، وَفي وَصَايَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْرَارٌ وَأَنْوَارٌ وَبَرَكَاتٌ يَعْرِفُهَا الـمُتَّقُونَ، وَذَاقَهَا مَنْ خَافَ رَبَّهُ وَنَـهَى النَّفْسَ عَنِ الـهَوَى. اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا يُهَوِّنُ عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا.

Designed and Developed by Hal taalam Team