Edit Template

فُرْصَةَ العُمُرِ

الـحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِيـنَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَأَتِـمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [سورة البقرة/196]. أَيِ ائْتُوا بِـهِمَا تَامَّيْـنِ. كَانَ الـمُشْرِكُونَ قَبْلَ بِعْثَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطُوفُونَ حَوْلَ الكَعْبَةِ الـمُشَرَّفَةِ يَقُولُونَ: «لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ إِلَّا شَرِيكًا تَـمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ». فَبُعِثَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالـحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَاءِ، بُعِثَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو إِلَى مَا دَعَا إِلَيْهِ إِخْوَانُهُ الأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ مِنْ قَبْلِهِ حَيْثُ قَالَ: «أَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ» رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الـمُوَطَّإ.

وَالـحَجُّ وَالعُمْرَةُ عِبَادَتَانِ عَظِيمَتَانِ فِيهِمَا كَثِيـرٌ مِنَ الـمَشَقَّاتِ يُتَقَرَّبُ بِـهَا إِلَى اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى. فَعَلَى مَنْ أَرَادَ أَنْ يَـحُجَّ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وأَرَادَ أَنْ يَتَكَبَّدَ مَشَقَّاتِ السَّفَرِ وَتَكَلُّفَ هَذِهِ الرِّحْلَةِ تَقَرُّبًا إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَتَعَلَّمَ أَرْكَانَ الـحَجِّ وَوَاجِبَاتِهِ، وَأَنْ يَعْرِفَ الـمُبْطِلَاتِ لِيَجْتَنِبَهَا، أَنْ يَعْرِفَ الأَرْكَانَ وَالوَاجِبَاتِ حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَهَا وَبَيْـنَ السُّنَنِ وحَتَّى لَا يَهْتَمَّ بِالسُّنَنِ وَيُفَرِّطَ بِالأَرْكَانِ فَيَعُودَ إِلَى بَلَدِهِ وَفِي كَثِيـرٍ مِنَ الصُّوَرِ لَمْ يَـحُجَّ، أَوْ يَكُونَ قَدْ فَسَدَ حَجُّهُ بِارْتِكَابِ مَا يُفْسِدُهُ كَحَالِ كَثِيـرِينَ مِنَ النَّاسِ. فَالِاسْتِعْدَادُ لِلْحَجِّ لَا يَكُونُ بِالزَّادِ وَلَا بِبِطَاقَةِ السَّفَرِ وَلَا بِوَثِيقَةِ السَّفَرِ فَقَطْ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَتَعَلَّمَ هُنَا مَا سَتُطَبِّقُهُ هُنَاكَ..
«أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّـمَا العِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ وَالفِقْهُ بِالتَّفَقُّهِ» هَكَذَا قَالَ حَبِيبُنَا الـمُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا رَوَاهُ الطَّبَـرَانِيُّ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَـحُجَّ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ.

اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الـحَجَّ وَزِيَارَةَ البَيْتِ الـحَرَامِ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيـنَ، اللَّهُمَّ نَقِّنَا مِنَ الذُّنُوبِ وَالـخَطَايَا وَاجْعَلْنَا مِنْ أَوْلِيَائِكَ وَأَصْفِيَائِكَ وَأَحْبَابِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيـنَ

قَالَ العَالِـمُ الـجَلِيلُ عَبْدُ اللهِ الـحَدَّادُ الـحَضْرَمِيُّ الـمُلَقَّبُ بِالفَقِيهِ الـمُقَدَّمِ:
«إِنَّ مَنْ تَكَلَّفَ الـحَجَّ شَوْقًا إِلَى بَيْتِ اللهِ وَحِرْصًا عَلَى إِقَامَةِ الفَرِيضَةِ إِيـمَانُهُ أَكْمَلُ وَثَوَابُهُ أَعْظَمُ وَأَجْزَلُ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُضَيِّعَ بِسَبَبِهِ شَيْئًا مِنَ الفَرَائِضِ، وَإِلَّا كَانَ ءَاثِـمًا وَاقِعًا فِي الـحَرَجِ كَمَنْ بَنَى قَصْرًا وَهَدَمَ مِصْرًا». ((بَنَى قَصْرًا وَهَدَمَ مِصْرًا مَعْنَاهُ خَسَارَتُهُ أَشَدُّ))
وَهَذَا كَمَنْ يُضَيِّعُ النَّفَقَةَ الوَاجِبَةَ، فَقَدْ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَفَى بِالـمَرْءِ إِثْـمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» رَوَاهُ التِّـرْمِذِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ يَعُولُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، أَيْ مَنْ تَـجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ فَفِي هَذَا بَيَانٌ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ كَبَائِرِ الـمَعَاصِي.

وَهَذَا عَبْدُ اللهِ بنُ الـمُبَارَكِ رُوِيَ أَنَّه كَانَ يَغْزُو عَامًا وَيَـحُجُّ عَامًا فَفِي عَامٍ مِنْ أَعْوَامِ حَجِّهِ فِي سَفَرِهِ إِلَى الـحَجّ وَجَدَ في مَغَارَةٍ امْرَأَةً تَلْتَقِطُ هِرَّةً وَتَذْبَـحُهَا لِلْأَكْلِ، فَذَكَّرَهَا بِالآيَةِ: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ (173)﴾ [سُورَة البَقَرَةِ]، فَأَجَابَتْهُ بِبَاقِي الآيةِ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (173)﴾ [سُورَة البَقَرَةِ]. فَلَمَّا عَلِمَ بِأَنَّـهَا مُضْطَرَّةٌ لِتُطْعِمَ أَوْلَادَهَا الـجِيَاعَ الَّذِينَ عَضَّهُمُ الـجُوعُ بِنَابِهِ وَشَارَفُوا عَلَى الـهَلَاكِ وَلَمْ يَـجِدُوا سِوَى الـمَيْتَةِ أَعْطَاهَا مَا كَانَ مَعَهُ مِنْ مَالٍ وَطَعَامٍ إِلَّا مَا يَكْفِيْهِ لِلرُّجُوعِ إِلَى بَلَدِهِ وَلَمْ يَـحُجَّ تِلْكَ السَّنَةَ، فَلَمَّا رَجَعَ النَّاسُ مِنَ الـحَجّ جَاؤُوا يُهَنِّئُونَهُ بِالـحَجِّ فَقَالَ لَـهُمْ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ هَذِهِ السَّنَةَ فَقَالُوا لَهُ: "كَيْفَ هَذَا وَقَدِ اجْتَمَعْنَا بِكَ وَرَأَيْنَاكَ فِي عَرَفَاتٍ وَعِنْدَ الكَعْبَةِ وَفِي مِنًى وَالـمَسْعَى..."، فَقَالَ أَهْلُ العِلْمِ هَذَا مَلَكٌ أُرْسِلَ بِصُورَتِهِ فَحَجَّ عَنْهُ. فَانْظُرُوا رَحِمَكُمُ اللهُ إِلَى مَنْ قَدَّمَ الأَوْلَى فَالأَوْلَى وَقَدَّمَ أَمْرَ الضَّرُورَاتِ عَلَى الـمُسْتَحَبَّاتِ.

حِفْظُ الأَصْلِ مُقَدَّمٌ عَلَى حِفْظِ الفَرْعِ، فَلَا تَنْظُرُوا إِلَى جَلْبِ مَنْفَعَةٍ صَغِيـرَةٍ فِيهَا ضَيَاعُ مَنْفَعَةٍ كَبِيـرَةٍ.

Designed and Developed by Hal taalam Team