Edit Template

هل تعلم معنَى "كُلُّ مَوْلودٍ يُولَدُ عَلَى الفطرةِ"؟

لقد دلتِ الأحاديثُ النبويةُ على أنَّ اللهَ أخرجَ أرواحَ ذريةِ ءادمَ مِنْ ظهرهِ كالذرِّ كالنّمل الصغير الأحمر، ثم استنطقَهم وأخذَ عليهمُ العهدَ والميثاقَ وأشهدَ عليهم أنفسَهم. روى النسائيُّ وأحمدُ وابنُ جريرٍ والحاكمُ في المستدركِ بالإسنادِ عن ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما عَنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: "إنَّ اللهَ أخذَ المِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِ ءَادَمَ عليهِ السَّلامُ بنعمانَ يَوْمَ عَرَفةَ، فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَةٍ ذَرَأَهَا – أي خلقها الله إلى يوم القيامة،كل أرواح البشر ممن قد وُلدَ، وُجدَ إلى وقتنا هذا وممن سيولدون إلى نهاية الدنيا،- فنثرَها -فنشرهم- بينَ يدَيهِ – أي أمام ءادم عليه السلام - ثمَّ كلَّمَهم قبلًا قالَ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي ءَادَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (۱٧۲)﴾ [سورة الأعراف]".

وَهَذَا الْمِيثَاقُ أَيْ الْعَهْدُ هُوَ اعْتِرَافُهُم بَعْدَ أَنِ اسْتَخْرَجَهُمْ مِنْ ظَهْرِ ءادَمَ بَعْدَما نَزَلَ إِلى الأَرْضِ فَصَوَّرَهُم وَخَلَقَ فِيهِمُ الْمَعْرِفَةَ والإِدْرَاكَ بِأَنَّهُ لَا إِلهَ لَهُم إِلاَّ اللهُ، فَجَمِيعُ ذُرِّيةِ ءادَمَ اعْتَرَفُوا ذَلِكَ اليومَ.

ومعنى قوله تعالى في سورة الأعراف ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي ءَادَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (۱٧۲)﴾ أنَّ ءادمَ عليهِ السَّلامُ بعدَما نزلَ مِنَ الجنةِ بأرضٍ يُقالُ لها نعمانُ الأراك بقربِ عرفاتٍ، هناكَ اللهُ تعالى أخرجَ منهُ أرواحَ كلِّ ذريتِهِ التي كانتْ مُودَعةً في ظهرهِ، حتى روحُ سيدِنا محمَّدٍ وروحُ إبراهيمَ وموسى ونوحٍ وغيرِهم مِنَ الأنبياءِ عليهمُ السَّلامُ، وكلُّ روحٍ بشريٍّ كانت موجودةً في ظهرِ ءادمَ حتى الذينَ سيُخلقونَ بعدَنا إلى ءاخرِ فردٍ مِنَ البشرِ.

أخرجَهمُ اللهُ تعالى مِنْ صلبِ ءادمَ وركَّبَ فيهمُ العقلَ والمعرفةَ وقالَ الله لهم على لسانِ الملائكةِ أي الملك أبلغهم كلَّمهم بأمر الله قال لهم إن ربكم يقول لكم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ أي لا إلهَ لنا غيرُك فعرفوا خالقَهم، فعرفوا أنَّ اللهَ موجودٌ لا كالموجوداتِ وأنهُ ليسَ جسمًا وأنهُ لا يستحقُّ أحدٌ أن يُعبَدَ غيرُهُ.

وقد روى البخاري أن رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قال: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفطرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانهِ أوْ يُنَصِّرَانِهِ أوْ يُمَجِّسَانِهِ". فكل مولود يولدُ على فطرةِ الإسلامِ أي يكونُ مستعدًا متهيِّئًا لقبولِ دينِ الإسلامِ دينِ الحقِّ الذي رضيَهُ اللهُ تعالى لعبادِهِ وجاءَ بهِ كلُّ الأنبياءِ، وليس معنى الفطرة أن الإنسان أول ما يولد عقيدته عقيدة الإسلام أي يعرف الله على ما يليق به، بل هو يكون على قابلية إذا عُلِّم التوحيد يكون عارفًا بربه بأنه موجود غير متصف بشئٍ من صفات الخلق من حركة وسكون أو حلول في السماء أو في الأرض.

ولَما ركبتْ أرواحُهم في أجسادِهم نسوا ذلكَ العهدَ، أخرجَهم مِنْ بطونِ أمهاتِهم لا يعلمونَ شيئًا لقوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا (٧٨)﴾ [سورة النحل] أخرجوا وقد أُنسوا ذلك الميثاق، لا يذكرون ذلك الميثاق، أيُّنا يذكر؟ ولا واحد منّا.

ثم هذا الإنسانُ يُكَلِّمهُ أبوهُ بالمجوسيةِ ويكلمُ الآخرَ أبوهُ المسلمُ عَنِ الإسلامِ فيقبلُ لأنه يكونُ مهيئًا لقبولِ ما يُلقى إليهِ. فالفطرةُ هي مقتضى ذاكَ التوحيدِ الذي عُرفَ حينَ أُخرجَتْ روحُهُ مِنْ ظهرِ ءادمَ وصُوِّرَتْ بصورٍ صغيرةٍ.

اللهُ تباركَ وتعالى عالمٌ بما سيعملُ هذا الإنسانُ قبلَ أن يخلقَهُ، عالِمٌ لكنَّهُ يُظهرُ لعبادِهِ مَنْ هوَ المطيعُ العاملُ بأوامرِ اللهِ والمجتنبُ لنواهيهِ ومَنْ هو العاصي فخلقَ الموتَ والحياةَ ليبتليَنا ويختبرَنا أي ليُظهرَ ما يحصلُ منا مِنَ الأعمالِ التي هو عالِمٌ بها في الأزَلِ قبلَ أن يخلقَنا، ليظهرَ ما علمَ اللهُ تباركَ وتعالى أنَّهُ سيحصلُ منا فيكونُ الجزاءُ على ذلكَ.

خلقَ الأرواحَ قبلَ الأجسادِ وكانت الأرواحُ مؤمنةً، كلُّ روحٍ كانت تعلمُ أنَّ اللهَ تباركَ وتعالى هو خالقُها وأنَّه لا يجوزُ أن يُعبَدَ أحدٌ إلَّا هو، كانت عارفةً بذلكَ؛ لأنَّ اللهَ خلَقَ فيها تلكَ المعرفةَ قبلَ الأجسادِ. ثم لولا الروحُ لم يكن الإنسانُ مسؤولًا عن شىءٍ مما يعملُهُ لكن من أجلِ الروحِ كانَ الإنسانُ مسئولًا؛ لأنَّ الروحَ هي التي تُميّزُ بينَ القبيحِ والحسَنِ وهي التي تُميّزُ بينَ ما يحبُّ الله من الخير وبينَ ما يكرَهُ من الشر على حسبِ ما علَّمَ الأنبياءَ والبشرَ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَعوذُ بِكَ مِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَع،
وَنِدَاء لَا يسمَع، ومِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَع، ومِنْ عِلْمٍ لَا ينفَع.

Designed and Developed by Hal taalam Team