Edit Template

هل تعلم أنَّ إبليسَ عليهِ اللَّعْنَةُ إلى يَوْمِ الدِّينِ؟

لَما اكتملَ خلقُ ءادمَ عليهِ السَّلامُ أمرَ اللهُ تباركَ وتعالى الملائكةَ بالسجودِ لهُ فامتثلوا لأمرهِ تعالى وسجدوا كلُّهم؛ لأنَّهم كما وصفَهم اللهُ تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [سورة التحريم]، وسجودُ الملائكةِ لآدمَ عليهِ السَّلامُ كانَ سجودَ تحيةٍ وإكرامٍ لا عبادةً لهُ، وذلكَ ليعلِمَهم أنَّ هذا الخلقَ الذي خُلِقَ الآنَ هو أفضلُ منكم أيها الملائكةُ، مع أنَّ الملائكةَ لا يعصونَ اللهَ ما أمرَهم ويفعلونَ ما يُؤمرونَ يسبحونَ الليلَ والنهارَ لا يفتُرونَ، ليسوا مثلَنا، لا يشغلُهم نومٌ ولا يشغلُهم جوعٌ ولا عطشٌ، ما خلقَ اللهُ فيهم داعيةَ النومِ ولا داعيةَ الأكلِ ولا داعيةَ الشربِ، ومعَ ذلكَ أمرَ الملائكةَ بأن يسجدوا لهُ فسجدوا كلُّهم. فسجودُ المخلوقِ للمخلوقِ كانَ جائزًا، ثم حرَّمَهُ اللهُ في شرعِ سيدِنا مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ.

وكذلكَ أمرَ اللهُ إبليسَ بالسجودِ لآدمَ، ففي مسندِ الإمامِ أحمدَ أنَّ اللهَ تباركَ وتعالى لَما خلقَ ءادمَ في الجنةِ تركَهُ ما شاءَ أن يتركَهُ فجعلَ إبليسُ يَطيفُ بهِ فعرفَ أنهُ خلقٌ لا يتمالكُ أي ليس كالملائكة ولا كالجمادات، بل أضعف من ذلك. وفي هذا الحديثِ الصحيحِ إثباتُ أنَّ ءادمَ عليهِ السلامُ خُلِقَ في الجنةِ وأنَّ إبليسَ كانَ يدورُ حولَ هيكلِ ءادمَ في الجنةِ، وذلكَ قبلَ نفخِ الرُّوحِ، فرءاهُ أجوفَ أي لهُ جوفٌ فعرفَ أنهُ خلقٌ لا يتمالكُ، أي ليسَ كالملائكةِ ولا كالجماداتِ بل هو أضعفُ مِنْ ذلكَ.

وعندما أمرَ اللهُ إبليسَ بالسجودِ لآدمَ كانَ في ذلكَ الوقتِ مسلمًا مؤمنًا مِنَ الجنِّ يعبدُ اللهَ معَ الملائكةِ، فلا هو طاووسُ الملائكةِ ولا رئيسُهم ولا هو حتى منهم، ويدلُّ على ذلكَ قولُهُ تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُوا لآِدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ (٥۰)﴾ [سورة الكهف]، استكبرَ واعترضَ على اللهِ، كيفَ يأمرُهُ وهو خُلِقَ مِنْ نارٍ وءادمُ مِنْ طينٍ؟! فظهرَ منهُ ما كانَ سبقَ في علمِ اللهِ ومشيئتِهِ مِنْ كفرِهِ باختيارِهِ.

فَإِن قالَ قائِلٌ إِنَّ مَعْنى: ﴿كانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ أَيْ كانَ مُسْتَتِرًا عن أعين الناس كَمَا الْجِنُّ يَسْتَتِرُون وَالْمَلائِكَةُ مُسْتَتِرُون عن عيون الناس وَلَيْسَ مَعْناها أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمَلائِكَةِ. فَالْجَواب: أَنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلام قالَ: "خُلِقَ إِبْلِيسُ مِنْ مَّارِجٍ مِّنْ نارٍ" رواهُ مسلمٌ. واللهُ تَعالى قالَ: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَّارِجٍ مِّنْ نَّارٍ(۱٥)﴾ [سورة الرَّحمن] فَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ إِبْلِيسَ خُلِقَ مِنْ نارٍ، أَي أَنَّهُ مِنَ الْجِنِّ وَلَيْسَ مِنَ الْمَلائِكَةِ؛ لأَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّمَ قال: "وَخُلِقَتِ الْمَلائِكَةُ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ ءادَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُم"، فَهَذَا الْحَدِيثُ وهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ قَوِيٌّ عَلَى أَنَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمَلائِكَةِ بَلْ كَانَ مِنَ الْجِنِّ. فَإبليسُ استكبرَ واعترضَ على اللهِ ولم يمتثلْ لأمرِهِ وقالَ: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (۱۲)﴾ [سورةُ الأعرافِ]، معناه النارُ أشرفُ مِنَ الطينِ، كيفَ أنا أُؤمرُ بأنْ أسجدَ لهذا الذي خُلِقَ مِنْ طينٍ؟ عندئذٍ كفرَ، قبلَ ذلكَ كانَ إبليسُ مسلمًا، وكلُّ مَنْ يعترضُ على اللهِ فهو أخو إبليسَ.

فأمرَهُ اللهُ بالخروجِ مِنَ الجنةِ، قالَ تعالى: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨)﴾ [سورة ص]، الرَّجيمُ معناهُ ملعونٌ، لكنَّ إبليسَ طلبَ من اللهِ أنْ يُنظرَهُ أي يُؤخرَهُ إلى يومِ البعثِ أي يومِ الخروجِ منَ القبورِ، قالَ تعالى مخبرًا عن قولِ إبليسَ: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨۰) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨۱)﴾ [سورة ص]. ولكنَّ اللهَ لم يُجِبْهُ إلى ذلكَ بل أخَّرَهُ إلى النفخةِ الأولى ليذوقَ الموتَ الذي حكمَ اللهُ بهِ على خلقهِ. فإبليسُ يعيشُ على الكفرِ ويموتُ على الكفرِ ويُبعثُ على الكفرِ، اللهُ تعالى شاءَ لإبليس ذلكَ وهو ما زالَ حيًّا.

والله أعلم وأحكم

Designed and Developed by Hal taalam Team