الصحبة يا رسول الله

أما بعد لقد كَانَ مِنْ عَادَةِ الـمُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْتِيَ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ كُلَّ يَوْمِ مَرَّتَيْـنِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا، تَـحْكِي أُمُّ الـمُؤْمِنِيـنَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْتِي بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي أَكْثَرِ الأَيَّامِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ مَبْعَثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِـمَكَّة، وَكَانَ مَوْعِدُ زِيَارَتِهِ إِمَّا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، أَوْ فِي آخِرِ النَّهَارِ عِنْدَ غُرُوبِـهَا، فَلَمَّا أَذِنَ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالـهِجْرَةِ إِلَى الـمَدِينَةِ، فَاجَأَهُمْ بِزِيَارَةٍ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ؛ مِـمَّا جَعَلَهُمْ يَرْتَاعُونَ وَيَفْزَعُونَ، وَعَلِمَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْتِ فِي هَذَا الوَقْتِ غَيْـرِ الـمُعْتَادِ إِلَّا لِأَمْرٍ عَظِيمٍ قَدْ جَدَّ وَوَقَعَ. قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: وَبَيْنَمَا نَـحْنُ جُلُوسٌ يَوْمًا فِي نَـحْرِ الظَّهِيـرَةِ، وَهُوَ وَقْتُ مَا تَبْلُغُ الشَّمْسُ مُنْتَهَاهَا مِنَ الِارْتِفَاعِ، قَالَ قَائِلٌ لِأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «هَذَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقْبِلًا مُتَقَنِّعًا» أَيْ: مُغَطِّيًا رَأْسَهُ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ عَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْتِيَ أَبَا بَكْرٍ فِي هَذَا الوَقْتِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «فِدًا لَكَ أَبِي وَأُمِّي» يَقْصِدُ بِذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَقْسَمَ أَنَّهُ مَا جَاءَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا لِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَهَذَا تَفَطُّنٌ مِنْ أَبِي بَكْرٍ لِـحُضُورِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ فِي هَذَا الوَقْتِ، فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاسْتَأْذَنَ فِي الدُّخُولِ، فَأَذِنَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلِـخُطُورةِ أَمْرِ الـهِجْرَةِ عَلى حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبِهِ، أَرَادَ أَنْ يَنْفَرِدَ بِأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لِيُخْبِـرَهُ، وَأَلَّا يَـحْضُرَهُمْ أَحَدٌ فِيمَا سَيُخْبِـرُهُ بِهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَـرَهُ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ سِوَى ابْنَتَيْهِ عَائِشَةَ وَأَسْـمَاءَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَقَالَ: «أخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ». قَالَ: «إِنَّـمَا هُمْ أَهْلُكَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَذِنَ لِي بِالـهِجْرَةِ». وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّـمَا هُمَا ابْنَتَايَ، يَعْنِي عَائِشَةَ وَأَسْـمَاءَ، قَالَ: «أَشَعَرْتَ أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِي فِي الـخُرُوجِ»؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ يَبْكِي مِنَ الفَرَحِ: الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: «الصُّحْبَةَ يَا أَبَا بَكْرٍ»! قَالَتْ عَائِشَةُ: «وَاللهِ مَا شَعَرْتُ قَطُّ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ أَنَّ أَحَدًا يَبْكِي مِنَ الفَرَحِ، حَتَّى رَأَيْتُ أَبِي يَبْكِي يَوْمَئِذٍ مِنَ الفَرَحِ» أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ.
هَلْ يَبْكِي فَرَحًا بِـمَنْصِبٍ؟! هَلْ يَبْكِي فَرَحًا بِـمَالٍ؟! بِـجَاهٍ؟! بِوَظِيفَةٍ؟! لَا وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنَّهُ لِيَعْلَمُ أَنَّ السُّيُوفَ تَنْتَظِرُهُ، وَأَنَّ القُلُوبَ الـحَاقِدَةَ تَتَلَهَّفُ لِلْقَبْضِ عَلَيْهِ، وَأَنَّ الـجَوَائِزَ الكَبِيـرَةَ تُعْلَنُ لِلْقَبْضِ عَلَيْهِ وَعَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.عَلَامَ يَـحْرِصُ الصِّدِّيقُ عَلَى هَذِهِ الصُّحْبَةِ وَيَفْرَحُ وَيَفْتَخِرُ بِـهَا؟! إِنَّهُ الإِيـمَانُ الَّذِي تَـمَيَّزَ بِهِ صِدِّيقُ هَذِهِ الأُمَّةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَالَّذِي جَعَلَهُ يُسَخِّرُ نَفْسَهُ وَأَهْلَهُ وَمَالَهُ مِنْ أَجْلِ الدَّعْوَةِ وَمِنْ أَجْلِ الـهِجْرَةِ.
اللهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكرِكَ وحُسنِ عِبادتك.

Designed and Developed by Hal taalam Team