فارقوا وَطَنَهُمُ الَّذِي يُـحِبُّونَهُ

أما بعد فتَأَمَّلُوا فِي حَادِثَةِ الـهِجْرَةِ، وَانْظُرُوا كَيْفَ فَارَقَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالـمُهَاجِرُونَ وَطَنَهُمُ الَّذِي يُـحِبُّونَهُ، وَتَرَكُوا أَهَالِيَهُمْ وَجِيـرَانَـهُمْ وَأَصْدِقَاءَهُمْ، وَيَـمَّمُوا أَرْضًا غَيْـرَ أَرْضِهِمْ، وَأَهْلًا غَيْـرَ أَهْلِهِمْ، فُقَرَاءَ إِلَّا مِنَ الإِيـمَانِ الرَّاسِخِ، غُرَبَاءَ إِلَّا مِنْ أَنِيسِ الـمَنْهَجِ الوَاضِحِ، مُبْتَدِئِيـنَ حَيَاةً جَدِيدَةً فِي أَرْضٍ جَدِيدَةٍ يَعْمُرُهَا الصَّبْـرُ وَتَكْسُوهَا سَعَادَةُ الـهُدَى الغَامِرَةُ، وَلَوْ خَرَجُوا بِلَا أَمْوَالٍ وَبَعْضُهُمْ بِدُونِ زَوْجَاتٍ وَلَا أَطْفَالٍ، خَلَّفُوا كُلَّ ذَلِكَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَأَيْقَنُوا أَنَّ الوَطَنَ الـحَقِيقِيَّ هُوَ الـمَكَانُ الَّذِي يَسْتَطِيعُونَ فِيهِ عِبَادَةَ اللهِ بِلَا خَوْفٍ.
وَفِي هَذَا الـحَدَثِ التَّارِيـخِيِّ الكَبِيـرِ يَتَجَلَّى لَنَا فَضْلُ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ الَّذِي جَنَّدَ نَفْسَهُ وَأَهْلَهُ، وَأَنْفَقَ مَالَهُ مِنْ أَجْلِ نَـجَاحِ هَذِهِ الرِّحْلَةِ السَّنِيَّةِ، فَقَدْ خَاطَرَ بِنَفْسِهِ لِيَكُونَ الـمُرَافِقَ الشَّخْصِيَّ لِلْمَطْلُوبِ الأَوَّلِ لِقُرَيْشٍ، وَجَهَّزَ رَاحِلَتَيْـنِ، وَكَانَتِ ابْنَتُهُ تَأْتِيهِمَا بِالطَّعَامِ إِلَى الغَارِ، بَلْ قَدْ لَطَمَهَا أَبُو جَهْلٍ فِي خَدِّهَا حَتَّى أَسْقَطَ قُرْطَهَا عِنْدَمَا سَأَلَـهَا عَنْ أَبِيهَا بَعْدَ خُرُوجِهِ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بنُ أَبِي بَكْرٍ يَبِيتُ عِنْدَهُمَا فِي الغَارِ إِلَى السَّحَرِ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مَكَّةَ كَأَنَّهُ بَائِتٌ فِيهَا، وَيَـجْمَعُ فِي النَّهَارِ الأَخْبَارَ حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِـهَا، وَكَانَ عَامِرُ بنُ فُهَيْـرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ يَتْبَعُ بِغَنَمِهِ أَثَرَ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي بَكْرٍ بَعْدَ ذَهَابِهِ إِلَى مَكَّةَ لِيُعْفِيَ أَثَرَ أَقْدَامِهِ. فَتَوَجَّهَ الـحَبِيبُ إِلَى حَبِيبِهِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لِيُخْبِـرَهُ بِأَمْرِ الـهِجْرَةِ.
وفِي الـحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيُّ عَنْ أَسْـمَاءَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: صَنَعْتُ سُفْرَةَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ، حِيـنَ أَرَادَ أَنْ يُهَاجِرَ إِلَى الـمَدِينَةِ، قَالَتْ: فَلَمْ نَـجِدْ لِسُفْرَتِهِ وَلَا لِسِقَائِهِ مَا نَرْبِطُهُمَا بِهِ، فَقُلْتُ لِأَبِي بَكْرٍ: وَاللهِ مَا أَجِدُ شَيْئًا أَرْبِطُ بِهِ إِلَّا نِطَاقِي، قَالَ: فَشُقِّيهِ بِاثْنَيْـنِ فَارْبِطِيهِ، بِوَاحِدٍ السِّقَاءَ، وَبِالآخَرِ السُّفْرَةَ، فَفَعَلْتُ، فَلِذَلِكَ سُـمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقَيْـنِ.
وَاعْلَمُوا أَنَّهُ كَمَا هَاجَرَ الصَّحَابَةُ مِنْ أَرْضِ مَكَّةَ إِلَى أَرْضِ الـمَدِينَةِ امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللهِ فَإِنَّـهُمْ هَاجَرُوا قَبْلَ ذَلِكَ هِجْرَةً لَا تَقِلُّ أَهَـمِّيَّةً عَنْ هَذِهِ الـهِجْرَةِ حَيْثُ هَاجَرُوا مِنَ الكُفْرِ إِلَى الإِيـمَانِ وَمِنَ الـمَعْصِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ، فَهَذِهِ أَيْضًا هِجْرَةٌ مُهِمَّةٌ يَنْبَغِي لِكُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُهَاجِرَهَا إِنْ كَانَ صَادِقًا فِي التَّوَجُّهِ إِلَى اللهِ، يَنْبَغِي أَنْ يَتْـرُكَ مَعَاصِيَ اللهِ سُبْحَانَهُ ومَسَاخِطَهُ وَيَسْعَى إِلَى حِيَاضِ الطَّاعَةِ وَالنُّورِ، يَنْبَغِي أَنْ يَهْجُرَ كُلَّ مَا نَـهَى اللهُ عَنْهُ حَتَّى يَكُونَ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ، فَهَلْ فَكَّرْنَا فِي هَذِهِ الـهِجْرَةِ الَّتِي لَا تَتَطَلَّبُ مَالًا وَلَا سَفَرًا وَلَا تَعَرُّضًا لِـخَطَرٍ، بَلْ تَتَطَلَّبُ عَزْمًا وَحَزْمًا، وَتَتَطَلَّبَ صِدْقًا وَإِخْلَاصًا فِي التَّوَجُّهِ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ وَفِي نُصْرَةِ دِينِهِ وَإِقَامَةِ شَرْعِهِ؟!
رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُنيا حَسَنَةً وفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار.

Designed and Developed by Hal taalam Team