حِكَمٌ وَعِبَرٌ مِنَ القُرْءَانِ الكَرِيمِ
حَجَرُ سَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، أما بعد:
فقد قَالَ عز من قائل: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ۖ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [سورَة البقرة/60].

بَعْدَ أَنْ نَجَّى اللهُ تَعَالَى بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ فِرْعَوْنَ وَجُنْدِهِ وَكَيْدِهِ لَمْ يَشْكُرْ هَؤُلَاءِ نِعَمَ اللهِ عَلَيْهِمْ بَلْ خَالَفُوا نَبِيَّهُمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَتَعَنَّتُوا وَأَسَاؤُوا الأَدَبَ مَعَهُ، فَعُوقِبُوا بِالتِّيهِ وَهُوَ دُخُولُـهُمْ إِلَى مَكَانٍ فِي الصَّحْرَاءِ لَمْ يَعْرِفُوا طَرِيقًا لِلْخُرُوجِ مِنْهُ مُدَّةَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَكَانَ سَيِّدُنَا مُوسَى وَسَيِّدُنَا هَارُونُ مَعَهُمْ لِتَعْلِيمِهِمْ وَإِرْشَادِهِمْ وَلَمْ يُعَاقَبَا لِأَنَّـهُمَا نَبِيَّانِ رَسُولَانِ.

احْتَاجَ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَثْنَاءَ وُجُودِهِمْ فِي التِّيهِ إِلَى مَاءٍ لِلشُّرْبِ وَالِاسْتِعْمَالِ إِذْ لَا يُوجَدُ يَنْبُوعٌ وَلَا نَـهْرٌ وَلَا مَوْرِدٌ ءَاخَرُ وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ لِلْخُرُوجِ طَرِيقًا، فَطَلَبُوا مِنْ سَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَدْعُوَ اللهَ تَعَالَى كَيْ يَرْزُقَهُمْ مَاءً بَعْدَ أَنِ اشْتَدَّ الضِّيقُ عَلَيْهِمْ. دَعَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَأَجَابَهُ اللهُ تَعَالَى وَأَمَرَهُ بِأَنْ يَضْرِبَ بِعَصَاهُ الَّتِي مَعَهُ أَقْرَبَ حَجَرٍ فِي أَرْضِ الحِجَارَةِ، وَكَانَ مِنْ رُخَامٍ فَضَرَبَهُ عليه السلام بِعَصَاهُ فَتَحَقَّقَتْ مُعْجِزَةٌ عَظِيمَةٌ لَهُ وَسَالَ الـمَاءُ ثُمَّ تَفَجَّرَ مِثْلَ الأَنْـهَارِ. وَكَانَ كُلَّ يَوْمٍ يَشْرَبُ مِنْ هَذَا الحَجَرِ سِتُّمِائَةِ أَلْفِ إِنْسَانٍ بِقُدْرَةِ اللهِ تَعَالَى وَكَانُوا يَـمْتَدُّونَ اثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا لِكَثْرَتِـهِمْ. وَكَانُوا يَشْرَبُونَ مِنَ الحَجَرِ وَيَأْخُذُونَ مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ، فَإِذَا أَرَادُوا الرَّحِيلَ عَنِ الـمَكَانِ الَّذِي هُمْ فِيهِ إِلَى غَيْرِهِ تَوَقَّفَتِ الـمِيَاهُ عَنِ التَّدَفُّقِ وَأَمْسَكَتْ.

لَمْ يَطُلْ وَقْتُ الرَّخَاءِ طَوِيلًا، إِذْ بَدَأَ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِالتَّمَلْمُلِ وَالتَّسَاؤُلِ فَقَالُوا: "إِنْ فَقَدَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَصَاهُ مِتْنَا عَطَشًا" ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى أَنْ لَا تَقْرَعَ الحِجَارَةَ بِالعَصَا وَلَكِنْ كَلِّمْهَا تُطِعْكَ لَعَلَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ فَصَارَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يُخَاطِبُ الحَجَرَ فَتَتَفَجَّرُ مِنْهُ الـمِيَاهُ كَالأَنْـهَارِ.

ثُمَّ عَادَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى تَخَوُّفِهِمْ وَتَضَجُّرِهِمْ وَقَالُوا: "كَيْفَ بِنَا إِذَا مَضَيْنَا إِلَى نَاحِيَةٍ لَيْسَ فِيهَا حِجَارَةٌ وَكُلُّهَا رِمَالٌ؟" فَأَوْحَى اللهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى أَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ حَجَرًا مُعَيَّنًا. وَكَانَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يَحْمِلُ هَذَا الحَجَرِ فِي جَعْبَتِهِ، فَصَارُوا إِذَا احْتَاجُوا إِلَى الـمَاءِ وَضَعَهُ سَيِّدُنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى الأَرْضِ فِي وَسَطِ مَحَلَّتِهِمْ وَضَرَبَهُ بِعَصَاهُ فَيَنْبُعُ الـمَاءُ بِغَزَارَةٍ، فَإِذَا فَرَغُوا ضَرَبَهُ مَرَّةً ثَانِيَةً فَيَنْقَطِعُ الـمَاءُ. وَلَقَدْ كَانَ اللهُ تَعَالَى قَادِرًا عَلَى أَنْ يَرْوِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِدُونِ حَجَرٍ وَلَكِنْ أَبْرَزَهُ لِإِظْهَارِ أَثَرِ الـمُعْجِزَةِ فِيهِ، وَلِيَكُونَ لِمُوسَى عليه السلام فَضْلٌ عَلَيْهِمْ.

اللَّهُمَّ إِنَّا دَعَوْنَاكَ فَاسْتَجِبْ لَنَا دُعَاءَنَا
فَاغْفِرِ اللَّهُمَّ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا

Designed and Developed by Hal taalam Team