قِصَصٌ وَعِبَـرٌ مِنَ القُرْءَانِ
حَسَدُ قابِيلَ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين:
بَعْدَ أَنْ تَقَدَّمَ كُلٌّ مِنْ قَابِيلَ وَهَابِيلَ بِقُرْبَانٍ إِلَى اللهِ جَلَّ وَعَلَا فَاخْتَارَ قَابِيلُ أَسْوَأَ مَا يَـمْلِكُ وَاخْتَارَ هَابِيلُ أَطْيَبَ مَا يَـمْلِكُ، جَاءَتْ نَارٌ فَحَرَقَتْ قُرْبَانَ هَابِيلَ دِلَالَةً عَلَى القَبُولِ وَبَقِيَ قُرْبَانُ قَابِيلَ عَلَى حَالِهِ. حِينَهَا مَلَأَ الحَسَدُ وَالحِقْدُ قَلْبَ قَابِيلَ تُجَاهَ أَخِيهِ هَابِيلَ الطَّيِّبِ، وَصَارَ الشَّيْطَانُ يُوَسْوِسُ لِقَابِيلَ بِأَنْ يَقْتُلَ أَخَاهُ وَيَرْتَكِبَ بِذَلِكَ أَكْبَرَ الـمَعَاصِي دُونَ الشِّرْكِ بِاللهِ وَهُوَ قَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ قَتْلَهَا إِلَّا بِالحَقِّ.
فَلَمَّا غَابَ ءَادَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أَتَى قَابِيلُ هَابِيلَ وَهُوَ فِي غَنَمِهِ ﴿قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ [سُورَةَ الـمَائِدَةِ/27]، قَالَ: وَلِـمَ؟ قَالَ: لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَبِلَ قُرْبَانَكَ وَرَدَّ قُرْبَانِي، وَتَنْكِحُ أُخْتِي الْحَسْنَاءَ وَأَنْكِحُ أُخْتَكَ الدَّمِيمَةَ، قالَ هَابِيلُ: وَمَا ذَنْبِي؟ ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [سُورَةَ الـمَائِدَةِ/27] أَيْ مَنِ اتَّقَاهُ في ذَلِكَ العَمَلِ بِأَنْ يَكُونَ عَمَلًا صالِـحًا خالِصًا لِوَجْهِ اللهِ تَعَالَى، مِنْ هَؤُلاءِ يَتَقَبَّلُ اللهُ.
وَلَكِنْ لَمْ يَسْتَمِعْ قَابِيلُ لِأَخِيهِ هَابِيلَ بَلْ زَادَ حِقْدُهُ تُجَاهَهُ وَقَدِ اقْتَرَبَ مِنْهُ لِيَقْتُلَهُ، وَقَالَ لَهُ هَابِيلُ كَمَا جَاءَ فِي سُورَةِ الـمَائِدَةِ: ﴿لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ [سُورَةَ الـمَائِدَةِ/28] حَتَّى إِنِ اقْتَـرَبْتَ مِنِّي لِكَيْ تَقْتُلَنِيَ ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ [سُورَةَ الـمَائِدَةِ/28] لَنْ أَفْعَلَ لَكَ شَيْئًا لِأَنَّ هَذِهِ مَعْصِيَةٌ تُغْضِبُ اللهَ سُبْحَانَهُ ﴿إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [سُورَةَ الـمَائِدَةِ/28] فَأَخْبَرَ أَنَّ خَوْفَهُ مِنَ اللهِ يَـمْنَعُهُ مِنَ الـمُبَادَرَةِ بِسَفْكِ الدِّمَاءِ أَوْ حَتَّى أَنْ يَرُدَّ عَلَى أَخِيهِ بِالـمِثْلِ. ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [سُورَةَ الـمَائِدَةِ/29] مَعْنَاهُ أُرِيدُ تَرْكَ مُقَاتَلَتِكَ وَإِنْ كُنْتُ أَشَدَّ مِنْكَ وَأَقْوَى فَتَحْمِلَ إِثْـمَ قَتْلِي. لَكِنَّ هَذَا الرَّدَّ الـمَبْنِيَّ عَلَى الحُجَجِ وَالبَرَاهِينِ لَمْ يُقْنِعْ قَابِيلَ، فَأَخَذَ الشَّيْطَانُ يُسَوِّلُ لَهُ وَسَهَّلَتْ نَفْسُ قَابِيلَ الأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ لَهُ الـمَعْصِيَةُ وَشَجَّعَتْهُ وَصَوَّرَتْ لَهُ أَنَّ قَتْلَ أَخِيهِ هَابِيلَ هَيِّنٌ ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سُورَةَ الـمَائِدَةِ/30].
وَرُوِيَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ كَيْفَ يَقْتُلُهُ فَجَاءَ إِبْلِيسُ اللَّعِينُ إِلَيْهِ مُتَشَكِّلًا يَحْمِلُ طَيْرًا فَجَعَلَ يَضْرِبُهُ عَلَى رَأْسِهِ بِحَجَرٍ لِيُعَلِّمَ قَابِيلَ مَاذَا يَفْعَلُ بِأَخِيهِ. فَمَكَثَ يَحْمِلُهُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ لَا يَدْرِي مَا يَصْنَعُ بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ سَفْكِ دَمٍ فِي الأَرْضِ، رَوَى البُخَارِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: "لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ ءَادَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا" لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ القَتْلَ. فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ بَعَثَ اللهُ جَلَّ وَعَلَا غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ بَعْدَ أَنْ قَتَلَ غُرَابًا ءَاخَرَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَبَعَثَ اللهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَىٰ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [سُورَةَ الـمَائِدَةِ/31]. ثُمَّ أَخَذَ يَفْعَلُ بِهِ مَا فَعَلَ ذَاكَ الغُرَابُ فَوَارَاهُ وَدَفَنَهُ تَحْتَ التُّـرَابِ.
وَلْيُعْلَمْ أَنَّ ابْنَ ءَادَمَ قَابِيلَ الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ هَابِيلَ كَانَ مُسْلِمًا مُؤْمِنًا وَلَمْ يَكُنْ كَافِرًا، وَإِنَّـمَا ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً كَبِيرَةً بِقَتْلِهِ أَخَاهُ هَابِيلَ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا.
اللهم ثبت قلوبنا على دينك، اللهم احفظ جوارحنا،
اللهم ارحمنا برحمتك الواسعة