مِنْ قَصَصِ الْقُرْءَانِ
سَأَلَتِ الَمْلَائِكَةُ رَبَّهَا للاسْتِكْشَافِ عَنِ الْـحِكْمَةِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، أما بعد:
فقد قَالَ اللهُ عز وجل في القرءان الكريم: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ/30]. هَذِهِ الْآيَةُ تُـخْبِرُ أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَضَى عَلَى ءَادَمَ عليه السلام وَبَنِيهِ بِاسْتِخْلَافِ الْأَرْضِ لِعَمَارَتِـهِا وَالانْتِفَاعِ بِـمَا أَوْدَعَهُ فِيهَا مِنْ نَبَاتٍ وَحَيَوَانٍ وَمَعَادِنَ وَيَتَوَلَّى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْـحُكْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَدْ أَخْبَرَ اللهُ الْمَلَائِكَةَ وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ سَيَجْعَلُ بَنِي ءَادَمَ خُلَفَاءَ فِي الْأَرْضِ يَسْعَوْنَ فِيهَا وَيَـمْشُونَ فِي مَنَاكِبِهَا وَيَنْتَشِرُ نَسْلُهُمْ فِي أَرْجَائِهَا، وَيَأْكُلُونَ مِنْ نَبَاتِـهَا وَيَسْتَخْرِجُونَ الْـخَيْرَاتِ مِنْ بَاطِنِهَا وَيَـخْلُفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِيهَا.
فَسَأَلَتِ الْمَلَائِكَةُ رَبَّـهَا لِلاسْتِكْشَافِ عَنِ الْـحِكْمَةِ فِي جَعْلِهِ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ لَا لِلاعْتِرَاضِ عَلَى اللهِ، فَالْمَلَائِكَةُ لَمْ يَكُنْ قَصْدُهُمْ كَقَصْدِ إِبْلِيسَ اللعين الذي كان من الجن؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: "أَنْتَ حَكَمْتَ عَلَيَّ بِـحُكْمٍ غَيْرِ صَحِيحٍ، كَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَسْجُدَ لِـمَا أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ؟ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ؟ كَانَ هَذَا اعْتِرَاضًا عَلَى اللهِ فَلِذَلِكَ اسْتَحَقَّ إِبْلِيسُ الطَّرْدَ وَاللَّعْنَةَ. إِنَّـمَا كَانَ قَصْدُ الْمَلَائِكَةِ أَنْ يُعَلِّمَهُمُ اللهُ الْـحِكْمَةَ فِي جَعْلِ بَنِي ءَادَمَ خُلَفَاءَ فِي الْأَرْضِ، أَيْ حُكَّامًا يَتَصَرَّفُونَ فِي الْأَرْضِ يَعْمُرُونَـهَا وَيَـحْكُمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِيهَا. الْمَلَائِكَةُ أَرَادُوا أَنْ يَفْهَمُوا السِّرَّ فِي جَعْلِ بَنِي ءَادَمَ الَّذِينَ هُمْ قِسْمٌ كَبِيرٌ مِنْهُمْ يَسْفِكُونَ الدِّمَاءَ ظُلْمًا وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَيَعْصُونَ اللهَ. يَقُولُ اللهُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنِ الْمَلَائِكَةِ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ أي بِالْمَعَاصِي ﴿ويَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ أي بِغَيْرِ حَقٍّ ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ أَيْ نَحْنُ نَعْبُدُكَ دَائِمًا وَلَا يَعْصِيكَ مِنَّا أَحَدٌ. فَبَيَّنَ اللهُ لِلْمَلَائِكَةِ الْـحِكْمَةَ مِنْ جَعْلِ بَنِي ءَادَمَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ وَهُوَ أَنَّ الْبَشَرَ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَيُفْسِدُ فِي الْأَرْضِ، لَكِنْ فِيهِمْ مَنْ هُمْ أَفْضَلُ مِنْكُمْ يَا مَلَائِكَةُ وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
وَنَصَبَ لَـهُمْ دَلِيلًا عَلَى فَضْلِ ءَادَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ خَصَّهُ اللهُ بِشَىْءٍ لَمْ يُعْطِهِ غَيْرَهُ وَهُوَ أَنَّهُ عَلَّمَهُ أَسْـمَاءَ كُلِّ شَىْءٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْرُسَ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَلَا مِنْ غَيْرِ الْمَلَائِكَةِ، فَتَفَوَّقَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ بِذَلِكَ وَقَالَ اللهُ عزَّ وَجَلَّ لِآدَمَ عليه السلام: ﴿أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ/33] فَصَارَ ءَادَمُ يَقُولُ لَـهُمْ هَذَا اسْـمُهُ كَذَا هَذَا اسْـمُهُ كَذَا، عَلَّمَهُ اللهُ أَسْـمَاءَ كُلِّ شَىْءٍ فَعَرَفُوا فَضْلَ ءَادَمَ عليه السلام مَعَ أَنَّـهُمْ كَانَوا خُلِقُوا قَبْلَ ذَلِكَ بِزَمَانٍ طَوِيلٍ وَمَا كَانَ عِنْدَهُمْ عِلْمٌ بِأَسْـمَاءِ الْأَشْيَاءِ، فَازْدَادُوا تَسْلِيمًا للهِ تَعَالَى وَتَبَيَّنَ لَـهُمْ أَنَّ لِلْبَشَرِ مَزِيَّةً بِـمَا ظَهَرَ مِنْ ءَادَمَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ بِأَسْـمَاءِ كُلِّ شَىْءٍ؛ لِأَنَّ الْأَعْلَمَ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سُورَةُ الزُّمَرِ/9] لَقَدْ رَفَعَ اللهُ تَعَالَى دَرَجَةَ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ وَوَصَفَهُمْ بِأَنَّـهُمْ أَكْثَرُ النَّاسِ خَشْيَةً لَهُ. يَقُولُ عز من قائل: ﴿إِنَّـمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [سُورَةُ فَاطِر/28]، فَطُوبَى لِمَنْ تَعَلَّمَ دِينَ اللهِ وَطَبَّقَ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَّمَ وَالِدَيْهِ وَزَوْجَتَهُ وَأَوْلَادَهُ وَأَحْبَابَهُ وَجِيرَانَهُ مِـمَّنْ يَسْمَعُونَ النُّصْحَ.
اللهم علمنا ما جهلنا وذكرنا ما نسينا وزدنا علما.