قصص من القرءان
سُلَيْمَانُ وَالْـهُدْهُدُ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين
أمَّا بَعْدُ فمِنْ قَصَصِ الْقُرْءَانِ الْكَرِيمِ قِصَّةُ نَبِيِّ اللهِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ معَ الهُدْهُدِ، قالَ عزَّ مِنْ قَائلٍ في الكِتَابِ العَزيزِ: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20)﴾ [سُورَةُ النَّمْلِ] مَعْنَاهُ تَفَقَّدَ سُلَيْمَانُ عليه السلام حَالَ الطَّيْرِ الْمُسَخَّرَةِ لَهُ وَحَالَ مَا غَابَ مِنْهَا، وَكَانَ عِنْدَهُ هُدْهُدٌ مُتَمَيِّزٌ مَعْرُوفٌ، فَلَمْ يَجِدْهُ فَقَالَ عليه السلام: مَا لِيَ لَا أَرَى الْـهُدْهُدَ الَّذِي أَعْهَدُهُ؟ أَسَتَرَهُ سَاتِرٌ عَنِّي، أَمْ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ عَنِّي، فَلَمْ أرَهُ لِغَيْبَتِهِ؟ فَلَمَّا ظَهَرَ أَنَّهُ غَائِبٌ قَالَ عليه السلام: لَأُعَذِّبَنَّ هَذَا الْـهُدْهُدَ عَذَابًا شَدِيدًا لِغِيَابِهِ تَأْدِيبًا لَهُ، أَوْ لَأَذْبَـحَنَّهُ عُقُوبَةً عَلَى مَا فَعَلَ حَيْثُ أَخَلَّ بِـمَا سُخِّرَ لهُ، أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِحُجَّةٍ ظَاهِرَةٍ، فِيهَا عُذْرٌ لِغَيْبَتِهِ، كَمَا جَاءَ فِي الْقُرْءَانِ الْكَرِيمِ: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (21) فَمَكَثَ﴾ أَيْ الـهُدْهُدُ زَمَنًا ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ ثُمَّ حَضَرَ فَعَاتَبَهُ سُلَيْمَانُ عليه السلام عَلَى مَغِيبِهِ وَتَـخَلُّفِهِ ﴿فَقَالَ﴾ لَهُ الـهُدْهُدُ ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ لَقَدِ اطَّلَعْتُ عَلَى مَا لَمْ تَطَّلِعْ عَلَيْهِ، لَقَدْ عَلِمْتُ مَا لَمْ تَعْلَمْهُ مِنَ الْأَمْرِ عَلَى وَجْهِ الْإِحَاطَةِ ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22)﴾ [سُورَةُ النَّمْلِ] مَعْنَاهُ لَقَدْ جِئْتُكَ مِنْ مَـمْلَكَةِ سَبَأٍ بِنَبَأٍ عَظِيمٍ يَا سُلَيْمَانُ وَأَنَا عَلَى يَقِينٍ مِنْهُ ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَـمْلِكُهُمْ﴾ تَحْكُمُهُمْ وَهِيَ مَلِكَةٌ غَنِيَّةٌ ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ﴾ عِنْدَها مِنْ كُلِّ شَىْءٍ مِنْ أَسْبَابِ الدُّنْيَا ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23)﴾ [سُورَةُ النَّمْلِ] وَلَـهَا سَرِيرٌ عَظِيمُ الْقَدْرِ تَجْلِسُ عَلَيْهِ لِإِدَارَةِ مُلْكِهَا ﴿وَجَدتُّـهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وَيَعْبُدُونَـها وَلَا يَعْبُدُونَ اللهَ. ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ السَّيِّئَةَ الَّتِي كَانُوا يَعْمَلُونَـها ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24)﴾ [سُورَةُ النَّمْلِ] فَصَرَفَهُمْ عَنِ الْإِيـمَانِ بِاللهِ وَتَوْحِيدِهِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ إِلَى اللهِ وَتَوْحِيدِهِ وَعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [سُورَةُ النَّمْلِ/25] فاللهُ يَعْلَمُ كُلَّ خَبِيئَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَخَبْءُ السَّمَاءِ الْمَطَرُ، وَخَبْءُ الْأَرْضِ النَّبَاتُ، كَمَا يَعْلَمُ مَا يُعْلِنُهُ وَيُـخْفِيهِ الْعِبَادُ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [سُورَةُ النَّمْلِ/26] فَلَا تَنْبَغِي الْعِبَادَةُ إِلَّا للهِ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ، فَهُوَ مَالِكُ الْمُلْكِ يُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ، كَانَ قَبْلَ وُجُودِ الْعَرْشِ وَالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَجِهَةِ فَوْقٍ وَجِهَةِ تَحْتٍ وَجِهَةِ يَـمِينٍ وَجِهَةِ شِمَالٍ وَجِهَةِ أَمَامٍ وَجِهَةِ خَلْفٍ وَقَبْل وَجِهَةِ الْفَرَاغِ وَالضَّوْءِ وَالظَّلَامِ وَأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْعُقُولِ وَالْأَذْهَانِ لِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ وَلَا شَبِيهَ. وَأَنَّهُ لَا خَالِقَ لِشَىْءٍ سِوَاهُ وَلَا رَازِقَ عَلَى الْـحَقِيقَةِ سِوَاهُ، وَأَنَّهُ عَالِمٌ بِكُلِّ شَىْءٍ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26)﴾ [سُورَةُ النَّمْلِ] فلَمْ يَقْتَضِ ذَلِكَ أَنَّ اللهَ لَيْسَ رَبًّا لِمَا سِوَى الْعَرْشِ بَلِ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ كَمَا في قولهِ تَعَالَى: ﴿الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ (2)﴾ [سُورَةُ الْفَاتِحَةِ] وَإِنَّمَا فَائِدَةُ تَـخْصِيصِ الْعَرْشِ بِالذِّكْرِ أَنَّهُ أَعْظَمُ مَخْلُوقَاتِ اللهِ تَعَالَى حَجْمًا فَمَا سِوَى الْعَرْشِ مَقْهُورٌ للهِ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى. فَاللهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَ الْعَرْشَ وَجَعَلَهُ فِي هَذَا الْمَكَانِ الْـمُرْتَفِعِ جِدًّا وَهُوَ الَّذِي يُبْقِيهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَلَا يَـخِرُّ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَيُدَمِّرُهَا تَدْمِيرًا.
أَسْأَلُ اللهَ تَبَاركَ وتَعَالَى أَنْ يُوَفِّقَنَا
لِما يُـحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبُ الدُّعَاءِ.