حِكَمٌ وَعِبَرٌ مِنَ القُرْءَانِ الكَرِيمِ
عَرْشُ بِلْقِيسَ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، أما بعد:
فقد قَالَ اللهُ عَزَّ مِنْ قائِلٍ فِي القُرْءانِ الكَريمِ إِخْبَارًا عَنْ نَبِيِّهِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُخَاطِبًا مَنْ مَعَهُ مِنَ الجِنِّ وَالإِنْسِ مِـمَّنْ سَخَّرَهُمُ اللهُ لَهُ: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38)﴾ [سورَةَ النَّملِ] أَيْ عَرْشِ بِلْقِيسَ. وَكَانَتْ هِيَ مَلِكَةَ اليَمَنِ فِي زَمَانِـهَا، كَانَتْ تَعْبُدُ الشَّمْسَ، كَانَتْ مُشْرِكَةً، حَتَّى تَدْخُلَ فِي الإِسْلامِ بِاقْتِناعٍ كامِلٍ قَالَ لَـهُمْ: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ أَيُّكُمْ يَأْتيني بِعَرْشِ بِلْقِيسَ بِسَريرِ مِلْكِهَا العَظيمِ قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُنْقَادِينَ طائِعينَ؟ وَهَذَا العَرْشُ شَىْءٌ عَظيمٌ، طولُهُ ثَـمَانُونَ ذِرَاعًا مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلٍ مُرَصَّعٍ بِالجَواهِرِ وَعَرْضُهُ أَرْبَعُونَ.

﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39)﴾ [سورَةَ النَّمْلِ] قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الشَّياطينِ وَكَانَ مُسَخَّرًا لِسُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِأَنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ جَاهٌ عَظيمٌ، اللهُ تَعَالَى أَعْطَاهُ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ. كَانَ مَعَ هَذَا الـمُلْكِ العَظيمِ الشَّياطينُ الكَافِرُونَ سَخَّرَهُمُ اللهُ لَهُ، إِذَا أَحَدٌ مِنْهُمْ خَالَفَ أَمْرَهُ يُحَطِّمُهُ اللهُ تَعَالَى، يُنْزِلُ اللهُ عَلَيْهِ عَذَابًا فَيَتَحَطَّمُ، الشَّياطينُ العَفاريتُ الكِبارُ كَانُوا يُطِيعُونَهُ وَيُخَافُونَهُ، هَؤُلَاءِ كَانُوا يَبْنُونَ لَهُ مَبانيَ فَخْمَةً وَيُخْرِجونَ لَهُ مِنْ قَعْرِ البَحْرِ الجَواهِرَ وَاللَّآلِئ، كَانُوا مُسَخَّرينَ لَهُ، وَسَخَّرَ لَهُ الرِّيحَ أَيْضًا، كَانَتِ الرِّيحُ تَحْمِلُهُ وَجَيْشَهُ، بِساطُ الرِّيحِ يَحْمِلُهُ صَبَاحًا إِلَى مَسافَةِ شَهْرٍ ثُمَّ بَعْدَ الظُّهْرِ يَرُدُّهُ، وَغَيْرُ هَذَا مِـمَّا أَنْعَمَ اللهُ بِهِ عَلَيْهِ.

فَقَالَ هَذَا العِفْرِيتُ: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقومَ مِنْ مَجْلِسِكَ هَذَا، أَنَا ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقومَ مِنْ مَقامِكَ أَيْ قَبْلَ أَنْ تُغادِرَ هَذَا الـمَجْلِسَ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ أَنَا أُحْضِرُ ذَلِكَ العَرْشَ، وَإِنِّي لَقَوِيٌّ عَلَى حَمْلِهِ، أَمينٌ عَلَى مَا فِيهِ، آتي بِهِ كَمَا هُوَ لَا أُنْقِصُ مِنْهُ شَيْئًا وَلَا أُبْدِلُهُ.

﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40)﴾ [سورَةَ النَّمْلِ].

فَقَالَ وَزيرُهُ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتَابِ يُقالُ لَهُ ءَاصِفُ بْنُ بَرْخِيَا الَّذِي هُوَ مِنَ البَشَرِ، عَلَى القَوْلِ الـمَشْهورِ عِنْدَ العُلَماءِ، هَذَا كَانَ وَلِيًّا مِنَ الأَوْلياءِ مَا كَانَ نَبِيًّا، كَانَ يُلَازِمُ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قال: أَنَا آتِيكَ بِـهَذَا العَرْشِ قَبْلَ ارْتِدادِ أَجْفانِكَ إِذَا تَحَرَّكَتْ لِلنَّظَرِ فِي شَىْءٍ، قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ أَيْ بِـمَعْنَى أَنَّكَ قَبْلَ أَنْ تَـمُدَّ نَظَرَكَ إِلَى نِـهايَةِ الـمَدَى ثُمَّ تَرُدَّهُ، قَبْلَ هَذَا الـمِقْدارِ مِنَ الزَّمَنِ أَنَا أُحْضِرُهُ.

فَأَذِنَ لَهُ سُلَيْمانُ عليه السلام فَأَتَى بِعَرْشِ بِلْقِيسَ مِنْ أَرْضِ اليَمَنِ بِكَرامَةٍ أَعْطَاهُ اللهُ تَعَالَى، بِالسِّرِّ الَّذِي أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهُ حَمَلَ مِنَ اليَمَنِ إِلَى بَرِّ الشَّامِ عَرْشَ بِلْقِيسَ بِقَدْرِ مَا يَـمُدُّ الإِنْسانُ عَيْنَهُ ليَنْظُرَ مَدَّ بَصَرِهِ قَبْلَ أَنْ يَطْرِفَ عَيْنَهُ، يُطْبِقَ عَيْنَهُ أَحْضَرَهُ.

فَلَمَّا رَآهُ سُلَيْمانُ حَاضِرًا لَدَيْهِ ثَابِتًا عِنْدَهُ قَالَ: هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي الَّذِي خَلَقَنِي وَخَلَقَ الكَوْنَ كُلَّهُ؛ لِيَخْتَبِرَنِي أَأَشْكُرُ بِذَلِكَ اعْتِرَافًا بِنِعْمَتِهِ تَعَالَى عَلَيَّ أَمْ أَكْفُرُ بِتَرْكِ الشُّكْرِ؟ وَمَنْ شَكَرَ لِلَّهِ عَلَى نِعَمِهِ فَإِنَّ نَفْعَ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَيْهِ، وَمَنْ جَحَدَ النِّعْمَةَ وَتَرَكَ الشُّكْرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنيٌّ عَنْ شُكْرِهِ، كَريمٌ يَعُمُّ بِخَيْرِهِ فِي الدُّنْيَا الشَّاكِرَ وَالكافِرَ، ثُمَّ يُحَاسِبُهُمْ وَيُجازيهِمْ فِي الآخِرَةِ.

سُلَيْمانُ لَيْسَ رَغْبَةً فِي عَرْشِها هَذَا طَلَبَ إِحْضارَهُ بَلْ لِتَقْتَنِعَ نَفْسُها، حَتَّى يَقْتَنِعَ قَلْبُها بِأَنَّ الإِسْلامَ الَّذِي يَدْعُو إِلَيْهِ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ هُوَ الدِّينُ الصَّحيحُ لِأَنَّـهَا كَانَتْ تَعْبُدُ الشَّمْسَ، هَذِهِ بِلْقِيسُ كَانَتْ مَلِكَةَ سَبَأ، سَبَأُ هَذِهِ أَرْضٌ فِي اليَمَنِ، حَتَّى تُسْلِمَ، هُوَ لَيْسَ رَغْبَةً فِي مَالِـهَا فَعَلَ ذَلِكَ، لَكِنْ حَتَّى تَنْبَهِرَ. طَلَبَها سُلَيْمانُ فَحَضَرَتْ خاضِعَةً لِأَنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَانَ ذَا مُلْكٍ عَظيمٍ، قُوَّتُهُ قاهِرَةٌ لَا يَقومُ لَهُ أَحَدٌ ثُمَّ قَالَ لِبِلْقِيسَ: "هَكَذَا عَرْشُكِ؟" قَالَتْ: "كَأَنَّهُ هُوَ". فَأَسْلَمَتْ وَتَخَلَّتْ عَنْ مُلْكِها، فمَا فَعَلَهُ ءاصِفُ بنُ برْخِيَا مِنْ كَراماتِ الأَوْلياءِ.

ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة
وفي الآخرة حسنة
وقنا عذاب النار

Designed and Developed by Hal taalam Team