مِنْ قَصَصِ الْقُرْءَانِ
فِتْنَةُ مُوسَى السَّامِرِيِّ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، أَمَّا بَعْدُ:
فَتَبْدَأُ أَحْدَاثُ القِصَّةِ عِنْدَمَا تَرَكَ مُوسَى أَخَاهُ هَارُونَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ رَأَوْا مُعْجِزَةً عَظِيمَةً مِنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَانُوا مُسْلِمِينَ، بَعْدَمَا خَرَجُوا مِنَ البَحْرِ وَدَخَلُوا حُدُودَ بَرِّ الشَّامِ. قَالَ لَـهُمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: "أَنَا أَذْهَبُ إِلَى الطُّورِ" لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ وَحْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ أَحَدٌ إِلَى مَكَانٍ لِيَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ الَّذِي لَا يُشْبِهُ كَلَامَ العَالَـمِينَ، فَغَابَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْهُمْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا كَمَا جَاءَ فِي القُرْءَانِ الكَرِيـمِ.
فَكَانَ مِنْ بَيْنِ قَوْمِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ مُوسَى السَّامِرِيُّ، هَذَا كَانَ أَصْلُهُ مِنْ قَوْمٍ يَعْبُدُونَ العِجْلَ، ثُمَّ رَحَلَ مَعَ الـمُسْلِمِينَ تَجَاوَزَ البَحْرَ مَعَهُمْ وَسَلِمَ مِنَ الغَرَقِ. وَكَانَ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ذَهَبٌ وَدِيعَةٌ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَوْ عَارِيَةٌ. ثُمَّ هَذَا مُوسَى السَّامِرِيُّ الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ فِتْنَةً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ أَخَذَ الذَّهَبَ فَأَذَابَهُ وَصَاغَ مِنْهُ عِجْلًا وَأَلْقَى فِيهِ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ، كَانَ أَخَذَهَا مِنْ أَثَرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ عليه السلام، حِينَ رَءَاهُ يَوْمَ أَغْرَقَ اللهُ فِرْعَوْنَ عَلَى يَدَيْهِ. فَلَمَّا أَلْقَاهَا فِيهِ خَارَ كَمَا يَخُورُ العِجْلُ الحَقِيقِيُّ وَطَلَبَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عِبَادَتَهُ.
جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ ظَهَرَ بِصُورَةِ إِنْسَانٍ رَاكِبٍ فَرَسًا أُنْثَى أَمَامَ فَرَسِ فِرْعَوْنَ حَتَّى تَدْخُلَ البَحْرَ، فَتَجَرَّأَتْ فَرَسُ فِرْعَوْنَ، وَدَخَلَ جَيْشُ فِرْعَوْنَ بِكَامِلِهِ، كُلٌّ مِنَ الـمِلْيُونِ وَسَبْعمِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، الْتَطَمَ الـمَاءُ عَلَيْهِمْ.
وَقَدْ كَانَ هَارُونُ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَـهَاهُمْ عَنْ هَذَا الصَّنِيعِ الفَظِيعِ أَشَدَّ النَّهْيِ، وَزَجَرَهُمْ عَنْهُ أَتَـمَّ الزَّجْرِ، وَعِنْدَمَا رَجَعَ نَبِيُّ اللهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأُخْبِرَ بِذَلِكَ اغْتَاظَ عَلَى هَؤُلَاءِ اغْتِيَاظًا شَدِيدًا، ثُمَّ أَخَذَ هَذَا السَّامِرِيَّ وَقَالَ لَهُ كما جاء في القرءان الكريم: ﴿وَانظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ [سُورَة طه/97].
مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِـهَذَا السَّامِرِيِّ ﴿وَانظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ فِي مَقَامِ التَّوْبِيخِ لَيْسَ فِي مَقَامِ الإِثْبَاتِ، فِي مَقَامِ التَّحْقِيرِ، فِي مَعْرِضِ الإِهَانَةِ، مَعْنَاهُ أَنْتَ اتَّخَذْتَهُ إِلَـهًا وَهُوَ لَيْسَ إِلَـهًا ﴿الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ مَعْنَاهُ ظَلْتَ وَدُمْتَ عَلَيْهِ مُقِيمًا تَعْبُدُهُ ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ فَحَرَّقَهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَذَرَاهُ فِي البَحْرِ فَشَرِبَ بَعْضُهُمْ مِنْ مَائِهِ حُبًّا لَهُ فَظَهَرتْ عَلَى شِفَاهِهِمْ صُفْرَةُ الذَّهَبِ. ﴿إِنَّـمَا إِلَـٰهُكُمُ اللهُ الَّذِي لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ [سُورَة طه/98] أَيِ الَّذِي وَسِعَ عِلْمُهُ كُلَّ شَىْءٍ.
اللهم علمنا ما جهلنا وذكرنا ما نسينا وزدنا علما ونعوذ بك من حال أهل النار.