مِنْ قَصَصِ القُرْءَانِ
أَصْحَابُ الأُخْدُودِ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، أما بعد:
فقد قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ البُرُوجِ: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4)﴾ أَيْ لُعِنَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ وَهُمُ الـمُحْرِقُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَالأُخْدُودُ شَقٌّ يُشَقُّ فِي الأَرْضِ وَالجَمْعُ: أَخَادِيد، وَهَؤُلَاءِ قَوْمٌ مِنَ الكُفَّارِ خَدُّوا أُخْدُودًا فِي الأَرْضِ وَسَجَّرُوهُ نَارًا وَعَرَضُوا الـمُؤْمِنِينَ عَلَيْهَا، فَمَنْ رَجَعَ عَنِ الإِسْلَامِ تَرَكُوهُ وَمَنْ أَصَرَّ عَلَى الإِيـمَانِ أَحْرَقُوهُ. ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6)﴾ حَوْلَ النَّارِ الَّتِي أَلْقَوْا فِيهَا الـمُؤْمِنِينَ ﴿وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7)﴾ أَيْ حُضُورٌ يَتَفَرَّجُونَ عَلَى التَّعْذِيبِ، يَرَوْنَـهُمْ وَالنَّارُ تَشْوِيهِمْ وَتَأْكُلُهُمْ، تَلْتَهِمُهُمْ، وَكَانَ الـمَلِكُ وَأَصْحَابُهُ جُلُوسًا عَلَى الكَرَاسِي عِنْدَ الأُخْدُودِ يَعْرِضُونَ الكُفْرَ عَلَى الـمُؤْمِنِينَ فَمَنْ أَبَى أَلْقَوْهُ. ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8)﴾ أَيْ مَا أَنْكَرُوا عَلَيْهِمْ إِلَّا لِإِيـمَانِـهِمْ بِاللهِ، ﴿الْعَزِيزِ﴾ أي الغَالِبِ ﴿الْحَمِيدِ﴾ الـمَحْمُودِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.

لِمَاذَا كُلُّ هَذِهِ النِّيرَانِ وَهَذَا الأُخْدُودِ وَهَذَا الحَرْقِ وَالتَّعْذِيبِ؟ ذَاتَ يَوْمٍ مَرَّ غُلَامٌ اسْـمُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ الثَّامِرِ بِخَيْمَةِ رَاهِبٍ اسْـمُهُ فَيْمَيُون مِنْ أَتْبَاعِ عِيسَى الـمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَسَمِعَهُ يَتْلُو الإِنْجِيلَ الصَّحِيحَ بِصَوْتٍ عَذْبٍ، وَنَظَرَ فَأَعْجَبَهُ مَا يَرَى مِنْهُ مِنْ صَلَاتِهِ وَعِبَادَتِهِ، فَصَارَ يَجْلِسُ إِلَيْهِ وَيَسْمَعُ مِنْهُ حَتَّى أَسْلَمَ فَوَحَّدَ اللهَ وَعَبَدَهُ، وَصَارَ يَسْأَلُ عَنْ أَحْكَامِ الإِسْلَامِ حَتَّى تَرَقَّى فِي العِلْمِ وَالعِبَادَةِ. ثُمَّ حَصَلَ أَنَّ هَذَا الغُلَامَ دَخَلَ نَجْرَانَ وَلَمْ يَلْقَ أَحَدًا بِهِ ضُرٌّ أَوْ كَانَ أَكْمَهَ أَيْ أَعْمَى أَوْ أَبْرَصَ وَهُوَ الـمُصَابُ بِـمَرَضٍ جِلْدِيٍّ مُنَفِّرٍ إِلَّا قَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ، أَتُوَحِّدُ اللهَ وَتَدْخُلُ فِي دِينِ الإِسْلَامِ، وَأَدْعُو اللهَ فَيُعَافِيكَ مِـمَّا أَنْتَ فِيهِ مِنَ البَلَاءِ؟ فَيَقُولُ: نَعَم، فَيُوَحِّدُ اللهَ وَيُسْلِمُ، وَيَدْعُو لَهُ فَيُشْفَى. حَتَّى لَمْ يَبْقَ بِنَجْرَانَ أَحَدٌ بِهِ ضُرُّ إِلَّا أَتَاهُ فَاتَّبَعَهُ عَلَى أَمْرِهِ، وَدَعَا لَهُ فَعُوفِيَ، وَالغُلَامُ يَقُولُ: "إِنِّي لَا أَشْفِي أَحَدًا إِنَّـمَا يَشْفِي اللهُ مَنْ يَشَاءُ".

فَلَمَّا عَلِمَ الـمَلِكُ بِأَمْرِ الغُلَامِ جَاءَ بِهِ وَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى فَدَفَعَهُ إِلَى بَعْضِ جُنُودِهِ لِقَتْلِهِ، فَدَعَا الغُلَامُ رَبَّهِ قَائِلًا: "اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِـمَا شِئْتَ". ثُمَّ قَالَ لِلْمَلِكِ: إنَّكَ لَسْتُ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا ءَامُرُكَ بِهِ. قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسِ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ ثُمَّ تَأْخُذُ مِنْ جَعْبَةِ سِهَامِي وَاحِدًا ثُمَّ تَضَعُهُ فِي القَوْسِ ثُمَّ تَقُولُ: بِسْمِ اللهِ رَبِّ الغُلَامِ ثُمَّ تَرْمِينِي فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي. فَجَمَعَ الـمَلِكُ النَّاسَ وَصَلَبَ الغُلَامَ عَلَى جِذْعٍ ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ جَعْبَتِهِ وَنَفَّذَ مَا أَمَرَهُ بِهِ الغُلَامُ ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ وَهُوَ الـمَوْضِعُ الَّذِي بَيْنَ العَيْنِ وَالأُذُنِ فَوَضَعَ الغُلَامُ يَدَهُ فِي مَوْضِعِ السَّهْمِ فَمَاتَ. فَقَالَ النَّاسُ عِنْدَهَا: ءَامَنَّا بِرَبِّ الغُلَامِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَاسْتَشَاطَ الـمَلِكُ غَيْظًا وَغَضَبًا وَأَمَرَ بِإِغْلَاقِ أَبْوَابِ الـمَدِينَةِ ثُمَّ شَقَّ شُقُوقًا وَأَخَادِيدَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ قَالَ لَـهُمْ إِمَّا أَنْ تَرْجِعُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ، أَيْ إِلَى عِبَادَتِي، وَإِمَّا أَقْتُلُكُمْ وَأَرْمِيكُمْ فِي الحُفْرَةِ الـمُؤَجَّجَةِ بِالنَّارِ، مَا رَجَعُوا عَنْ دِينِهِمْ عَنِ الإِسْلَامِ، فَرَمَاهُمْ وَهْمُ أَحْيَاءُ فِي النَّارِ.

اللهم اغفر لنا ذنوبنا، اللهم اغفر لنا ذنوبنا، اللهم أجرنا من النار.

Designed and Developed by Hal taalam Team