مِنْ قَصَصِ الْقُرْءَانِ
قارون ابن عم موسى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، أما بعد:
فقد قَالَ سُبْحَانَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [سُورَةَ القَصَصِ/76].
قَارُونُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ تَعَالَى فِي القُرْءانِ الكريم هُوَ ابْنُ عَمِّ سَيِّدِنا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ، وَقَدْ رَزَقَهُ اللهُ تَعَالَى سَعَةً فِي الرِّزْقِ وَكَثْرَةً فِي الأَمْوالِ حَتَّى فَاضَتْ بِـهَا خَزائِنُهُ وَاكْتَظَّتْ صَنادِيقُهُ بِـمَا حَوَتْهُ مِنْهَا، فَلَمْ يَعُدْ يَسْتَطيعُ حَمْلَ مَفاتيحِها مَجْموعَةٌ مِنَ الرِّجالِ الأَقْوياءِ، وَكَانَ يَعيشُ بَيْنَ قَوْمِهِ عيشَةَ التَّرَفِ، فَكَانَ يَلْبَسُ الـمَلابِسَ الفاخِرَةَ وَلَا يَخْرُجُ إِلَّا فِي زينَتِهِ، وَيَسْكُنُ القُصورَ، وَيَخْتارُ لِنَفْسِهِ الخَدَمَ والعَبيدَ، وَيَسْتَمْتِعُ بِـمَلَذّاتِ الدُّنْيَا الفانيَةِ.
لَكِنَّ قَارُونَ لَمْ يَكُنْ عَبْدًا شَكورًا، فَبَدَلًا مِنْ أَنْ يُطيعَ اللهَ بَغَى عَلَى قَوْمِهِ، وَأَخَذَ يَغْتَرُّ بِنَفْسِهِ وَيَتَكَبَّرُ عَلَى قَوْمِهِ وَيَفْتَخِرُ بِكَثْرَةِ مَا ءَاتَاهُ اللهُ تَعَالَى مِنَ الأَمْوالِ والكُنوزِ، فَنَصَحَهُ النُّصَحاءُ مِنْ قَوْمِهِ وَوَعَظُوهُ وَنَـهَوْهُ عَنْ فَسادِهِ وَبَغْيِهِ. وَقَالُوا لَهُ مَا أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [سُورَةَ القَصَصِ/76] أَيْ لَا تَبْطَرْ بِـمَا أُعْطِيتَ وَتَفْخَرْ عَلَى غَيْرِكَ وتَسْتَكْبِرْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الَّذِينَ يَفْتَخِرُونَ بِأَمْوَالِـهِمْ عَلَى النَّاسِ.
وَقَالُوا لَهُ: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا ءَاتَاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ [سُورَةَ القَصَصِ/77]. أَيْ لِتَكُنْ هِـمَّتُكَ مَصْروفَةً لِتَحْصِيلِ ثَوابِ اللهِ فِي الدَّارِ الآخِرَةِ بِالإِيـمـَانِ والعَمَلِ الصَّالِحِ فَإِنَّ هَذَا خَيْرٌ وَأَبْقَى وَقَالُوا لَهُ: ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [سُورَةَ القَصَصِ/77] أَيْ وَلَا تَنْسَ أَنْ تَأْخُذَ مِنَ الدُّنْيَا لِآخِرَتِكَ بِالتَّزَوُّدِ لَـهَا والِاسْتِعْدادِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما.
ثُمَّ نَصَحوهُ قَائِلِينَ لَهُ: ﴿وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [سُورَةَ القَصَصِ/77] أَيْ أَحْسِنْ إِلَى خَلْقِ اللهِ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ تَعَالَى خالِقُهُمْ إِلَيْكَ، وَلَا تُفْسِدْ فِيهِمْ وَتَبْغِ فَتُعامِلْهُمْ بِخِلَافِ مَا أُمِرْتَ بِهِ، فَلَمْ يَسْتَمِعْ قَارُونُ لِنِداءِ قَوْمِهِ، وَأَجابَـهُمْ جَوابَ مُغْتَـرٍّ مَفْتُونٍ مُسْتَكْبِرٍ مُدَّعِيًا أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى نَصائِحِهِمْ لِأَنَّهُ اكْتَسَبَ مالَهُ بِعِلْمِهِ وَفَضْلِهِ، فَقَالَ لَـهُمْ كَمَا وَرَدَ فِي القُرْءانِ الكَريمِ: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾ [سُورَةَ القَصَصِ/78].
قَالَ اللهُ تَعَالَى رَدًّا عَلَيْهِ فِيمَا ذَهَبَ وَاعْتَقَدَ: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ [سُورَةَ القَصَصِ/78] أَيْ قَدْ أَهْلَكْنا مِنَ الأُمَمِ الـمَاضِينَ بِذُنُوبِـهِمْ وَخَطاياهُمْ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْ قَارُونَ قوَّةً وَأَكْثَرُ مَالًا، فَلَوْ كَانَ إِفاضَةُ الـمَالِ الكَثيرِ عَلَى عَبْدٍ مِنْ عِبادِ اللهِ دَلِيلًا عَلَى مَحَبَّةِ اللهِ تَعَالَى لِـهَذَا العَبْدِ لَمَا عاقَبَ اللهُ تَعَالَى أَحَدًا مِـمَّنْ كَانَ أَكْثَرَ مَالًا مِنْهُ كَمَا قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [سُورَةَ سَبَأ/37].
وَخَرَجَ قَارُونُ يَوْمًا مُتَجَمِّلًا فِي مَوْكِبٍ عَظيمٍ مِنْ مَلابِسَ وَمَراكِبَ وَخَدَمٍ وَحَشَمٍ فَلَمَّا رَءَاهُ قَوْمُهُ مَنْ هُوَ مَغْرورٌ بِزَهْرَةِ الحَياةِ الدُّنْيَا تَـمَنَّوْا أَنْ لَوْ كَانُوا مِثْلَهُ وَغَبَطُوهُ بِـمَا عَلَيْهِ مِنْ زينَةٍ وَمَا لَهُ مِنْ كُنوزٍ وَأَمْوالٍ، فَلَمَّا عَلِمَ بِـمَقالَتِهِمُ العُلَماءُ العَارِفُونَ ذَوُو الفَهْمِ الصَّحيحِ وَالزُّهَّادُ قَالُوا لَـهُمْ: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [سُورَةَ القَصَصِ/80] أَيْ ثَوابُ اللهِ فِي الدَّارِ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَأَبْقَى وَأَجَلُّ وَأَعْلَى، قَالَ اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [سُورَةَ القَصَصِ/80] أَيْ وَمَا يُلَقَّى هَذِهِ الـهِمَّةَ السَّاميَةَ إِلَى الدَّارِ الآخِرَةِ عِنْدَ النَّظَرِ إِلَى نَعيمِ هَذِهِ الدُّنْيَا الزَّائِلِ الفَانِي إِلَّا مَنْ هَدَى اللهُ تَعَالَى قَلْبَهُ وَثَبَّتَ فُؤادَهُ وَجَعَلَهُ مِنَ الصَّابِرِينَ.
بَيْنَمَا قَارُونُ فِي مَوْكِبِهِ خَسَفَ اللهُ تَعَالَى الأَرْضَ بِهِ وَبِدارِهِ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الأَرْضِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ﴾ [سُورَةَ القَصَصِ/81].
وَلَمَّا حَلَّ بِقارونَ مَا حَلَّ مِنْ خَسْفٍ وَذَهابِ الأَمْوالِ وَخَرابِ الدَّارِ وَخَسْفِها، نَدِمَ مَنْ كَانَ تَـمَنَّى مِثْلَ مَا أُوتِيَ وَشَكَروا اللهَ تَعَالَى الَّذِي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُهُ وَيُضَيِّقُهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، وَشَكَروا اللهَ تَعَالَى الَّذِي لَمْ يَجْعَلْهُمْ كَقارونَ طُغاةً مُتَجَبِّرينَ مُتَكَبِّرينَ فَيَخْسِفَ بِـهِمُ الأَرْضَ.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِـمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقوبَتِكَ
رَبَّنا إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ وَنِداءٍ لَا يُسْمَعُ وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ وَمِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ.