مِنْ قَصَصِ الْقُرْءَانِ
قارون ابن عم موسى

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، أما بعد: فقد كَانَ ءَادَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أَوَّلَ الأَنْبِيَاءِ عَلَى الأَرْضِ، وَمِنْ نَسْلِهِ كَانَ كُلُّ البَشَرِ، وَكَانَتْ زَوْجَتُهُ حَوَّاءُ تَلِدُ فِي كُلِّ بَطْنٍ ذَكَرًا وَأُنْثَى. وَقَدْ كانَ ءَادَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي كانَ عَلَى دِينِ الإِسْلَامِ يُزَوِّجُ الذَّكَرَ مِنْ كُلِّ بَطْنٍ بِأُنْثَى مِنَ البَطْنِ الآخَرِ لِيَتَكاثَرَ البَشَرُ. وَبَارَكَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي نَسْلِ ءَادَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ تَرْجُمانُ القُرْءَانِ: "لَمْ يَـمُتْ ءَادَمُ حَتَّى بَلَغَ وَلَدُهُ وَوَلَدُ وَلَدِهِ أَرْبَعِينَ أَلْفًا." لِأَنَّ ءَادَمَ عاشَ أَلْفَ سَنَةٍ، الـمِائَةَ وَالثَّلاثِينَ الَّتِي عاشَهَا في الجَنَّةِ وَتَكْمِلَةُ الأَلْفِ في الأَرْضِ.

وَعَلَّمَ ءَادَمُ عَلَيهِ السَّلامُ أَوْلادَهُ الإِيـمَانَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَعَلَّمَهُمْ أَنَّ اللهَ يُرْسِلُ أَنْبِيَاءَ يَدْعُونَ إِلَى دينِ اللهِ وَعَلَّمَهُمْ أَنَّ اللهَ يُنَزِّلُ كُتُبًا عَلَى بَعْضِ الأَنْبِياءِ وَعَلَّمَهُمْ أَنَّهُ يَأْتِي يَوْمٌ يُفنِي اللهُ فِيهِ الإِنْسَ وَالجِنَّ، يَـموتُونَ ثُمَّ يُـحْيِيهِمْ ثُمَّ النَّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ يُحاسَبُونَ، ثُمَّ الـمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالأَنْبِياءُ الـمَلائِكَةُ يَسُوقُونَـهُمْ إِلَى الجَنَّةِ، وَيَسُوقُونَ الكُفَّارَ إِلَى جَهَنَّمَ، ثُمَّ يَعِيشُ الـمُؤْمِنونَ في الجَنَّةِ أَحْياءَ بِلا مَوْتٍ إِلَى ما لا نِـهايَةَ لهُ، وَالكُفَّارُ يَعِيشُونَ في جَهَنَّمَ إِلَى ما لَا نِـهايَةَ لَهُ. نارُ جَهَنَّمَ قَوِيَّةٌ وَمَعَ ذَلِكَ الكُفَّارُ لا يَـمُوتُونَ فِيها حالُـهُمْ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَـمُوتُ فِيهَا ولَا يَحْيَا﴾ [سُورَةَ طه/74] مَعْنَاهُ الكَافِرُ لا يَـموتُ فَيَذْهَبُ إِحْسَاسُهُ بِالنَّارِ وَلا يَحْيَا حَيَاةً يَـجِدُ فِيهَا راحَةً.

وَكَانَ ءَادَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ إِذَا شَبَّ أَوْلَادُهُ يُزَوِّجُ غُلَامَ هَذَا البَطْنِ جَارِيَةَ بَطْنٍ أُخْرَى، فَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَتَزَوَّجُ أَيَّةَ أَخَوَاتِهِ شَاءَ إِلَّا تَوْأَمَتَهُ الَّتِي وُلِدَتْ مَعَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ نِسَاءٌ إِلَّا أَخَوَاتُـهُمْ، فَلَمَّا وُلِدَ مَعَ "قابيلَ" أُخْتٌ جَميلَةٌ اسْـمُها "إِقْلِيمْيَاءَ"، وَوُلِدَ مَعَ "هابِيلَ" أُخْتٌ أَقَلُّ جَمالًا اسْـمُها "لِيوذَا" وَأَرادَ هَابِيلُ أَنْ يَتَزَوَّجَ إِقْلِيمْيَاءَ لَكِنَّ قَابِيلَ أَعْجَبَهُ جَمَالُـهَا فَأَرَادَهَا لِنَفْسِهِ، وَاخْتَلَفَ الاثْنَانِ. فَأَمَرَهُمَا سَيِّدُنا ءَادَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَقْدِيـمِ قُرْبانٍ وَهُوَ ما يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ ذَبِيحَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ، يَقُولُ اللهُ عَزَّ مِنْ قائِلٍ في سُورَةِ الـمَائِدَةِ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ ءَادَمَ بِالْحَقِّ﴾ وَهُمَا هَابِيلُ وَقَابِيلُ ﴿إِذْ قَرَّبا قُرْبَانًا﴾ فَخَرَجَا لِيُقَرِّبَا قُرْبَانًا، وَكَانَتِ القَرَابِينُ إِذَا كَانَتْ مَقْبُولَةً نَزَلَتْ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَأَكَلَتْهَا.

فَقَامَ قَابِيلُ وَهُوَ صَاحِبُ زَرْعٍ وَقَرَّبَ صُبْرَةً مِنْ طَعَامٍ مِنْ أَرْدَإِ زَرْعِهِ، وَأَمَّا هَابِيلُ فكَانَ طَيِّبَ النَّفْسِ كَرِيـمًا، كَثِيرَ الإِحْسَانِ، كَمَا كانَ صَاحِبَ غَنَمٍ فَعَمَدَ إِلَى أَحْسَنِ كَبْشٍ فِي غَنَمِهِ فَقَدَّمَهُ قُرْبانًا قاصِدًا مَرْضَاةَ اللهَ سُبْحانَهَ وَتَعَالَى. ثُمَّ نَزَلَتْ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ وَأَكَلَتْ قُرْبَانَ هَابِيلَ وَلَمْ تَأْكُلْ قُرْبَانَ قَابِيلَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما﴾ ، يَعْنِي هَابِيلَ ﴿وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾ ، يَعْنِي قابيلَ. فَنَزَلُوا عَنِ الجَبَلِ وَقَدْ غَضِبَ قَابِيلُ لِرَدِّ قُرْبَانِهِ وَكَانَ يُضْمِرُ الحَسَدَ فِي نَفْسِهِ إِلَى أَنْ أَتَى ءَادَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَكَّةَ لِزِيَارَةِ البَيْتِ، فَلَمَّا غَابَ ءَادَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَتَى قَابِيلُ هَابِيلَ وَهُوَ فِي غَنَمِهِ، ﴿قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ ، قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَبِلَ قُرْبَانَكَ وَرَدَّ قُرْبَانِي، قالَ هَابِيلُ: وَمَا ذَنْبِي؟ ﴿إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ الَّذِينَ يَتَّقُونَ اللهَ بِتَرْكِ الرِّياءِ وَالشِّرْكِ، مِنْ هَؤُلاءِ يَتَقَبَّلُ اللهُ.

ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار

Designed and Developed by Hal taalam Team