مِنْ قَصَصِ الْقُرْءَانِ
قِصَّةُ الذَّبِيحِ إِسْـمَاعِيلَ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، أَمَّا بَعْدُ:
فيَقُولُ اللهُ عز وجل فِي الْقُرْءَانِ الْعَظِيمِ: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111)﴾ [سُورَةَ الصَّافَّاتِ]. إِنَّ نَبِيَّ اللهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ءَاتَاهُ اللهُ الْحُجَّةَ عَلَى قَوْمِهِ وَجَعَلَهُ نَبِيًّا رَسُولًا فَكَانَ عَارِفًا بِاللهِ يَعْبُدُ اللهَ تَعَالَى وَحْدَهُ وَيُؤْمِنُ وَيَعْتَقِدُ أَنَّ اللهَ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ وَحْدَهُ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا رَيْبٍ.

ثُمَّ إِنَّهُ ذَاتَ يَوْمٍ طَلَبَ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يَرْزُقَهُ أَوْلادًا صَالِحِينَ قَالَ فِيمَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ فِي الْقُرْءَانِ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101)﴾ [سُورَةَ الصَّافَّاتِ] فَرَزَقَهُ اللهُ تَعَالَى إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ عليهما السلام. وَلَمَّا كَبِرَ إِسْمَاعِيلُ وَصَارَ يُرَافِقُ أَبَاهُ وَيَمْشِي مَعَهُ، رَأَى ذَاتَ لَيْلَةٍ سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْمَنَامِ أَنَّهُ يَذْبَحُ وَلَدَهُ إِسْمَاعِيلَ. قَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [سُورَةَ الصَّافَّاتِ].

وَرُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ وَلَدَهُ فَقَالَ لِوَلَدِهِ كَمَا جَاءَ فِي الْقُرْءَانِ: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [سُورَةَ الصَّافَّات] لَمْ يَقْصِدْ إِبْرَاهِيمُ أَنْ يُشَاوِرَ وَلَدَهُ فِي تَنْفِيذِ أَمْرِ اللهِ وَلَا كَانَ مُتَرَدِّدًا إِنَّـمَا أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ مَا فِي نَفْسِيَّةِ وَلَدِهِ تُجَاهَ أَمْرِ اللهِ.

فَجَاءَ جَوَابُ إِسْمَاعِيلَ عليه السلام جَوَابَ الْوَلَدِ الْمُحِبِّ لِلَّهِ أَكْثَرَ مِنْ حُبِّهِ لِلْحَيَاةِ فَقَالَ: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102)﴾ [سُورَة الصَّافَّات] وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ فَلِأَنَّهُ لَا حَرَكَةَ وَلَا سُكُونَ إِلَّا بِـمَشِيئَةِ اللهِ تَكُونُ.

أَخَذَ إِبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ ابْنَهُ إِسْمَاعِيلَ وَابْتَعَدَ بِهِ حَتَّى لا تَشْعُرَ الأُمُّ وَأَضْجَعَهُ عَلَى جَبِينِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103)﴾ [سُورَة الصَّافَّات].

فَقَالَ إِسْمَاعِيلُ: يَا أَبَتِ اشْدُدْ رِبَاطِي حَتَّى لَا أَضْطَرِبَ وَاكْفُفْ عَنِّي ثَوْبَكَ حَتَّى لَا يَتَلَطَّخَ مِنْ دَمِي فَتَرَاهُ أُمِّي فَتَحْزَنَ، وَأَسْرِعْ مَرَّ السِّكِّينِ عَلَى حَلْقِي لِيَكُونَ أَهْوَنَ لِلْمَوْتِ عَلَيَّ. فَإِذَا أَتَيْتَ أُمِّيَ فَاقْرَأْ عَلَيْها السَّلَامَ مِنِّي، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ يُقَبِّلُهُ وَيَبْكِي وَيَقُولُ نِعْمَ الْعَوْنُ أَنْتَ يَا بُنَيَّ عَلَى أَمْرِ اللهِ. فَأَمَرَّ السِّكِّينَ عَلَى حَلْقِهِ فَلَمْ تَحْكِ شَيْئًا وَقِيلَ انْقَلَبَتْ. فَقَالَ لَهُ إِسْمَاعِيلُ مَا لَكَ؟ قَالَ: انْقَلَبَتْ. فَقَالَ لَهُ: اطْعَنْ بِهَا طَعْنًا ، فَلَمَّا طَعَنَ بِهَا نَبَتْ وَلَمْ تَقْطَعْ شَيْئًا، وَذَلِكَ لأِنَّ اللهَ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ الَّذِي يَخْلُقُ الْقَطْعَ بِالسِّكِّينِ مَتَى شَاءَ.

وَقَدْ عَلِمَ اللهُ تَعَالَى بِعِلْمِهِ الأَزَلِيِّ الَّذِي لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ وَلَا يَتَجَدَّدُ الصِّدْقَ فِي تَسْلِيمِهِمَا. وَنُودِيَ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا هَذَا فِدَاءُ ابْنِكَ فَنَظَرَ إِبْرَاهِيمُ عليه السلام فَإِذَا جِبْرِيلُ مَعَهُ كَبْشٌ مِنَ الْجَنَّةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107)﴾ أَيْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَّصَ إِسْمَاعِيلَ عليه السلام مِنَ الذَّبْحِ بِأَنْ جَعَلَ فِدَاءً لَهُ كَبْشًا أَقْرَنَ عَظِيمَ الْحَجْمِ وَالْبَرَكَةِ.

اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنا وَءَامِنْ رَوْعَاتِنَا وَاكْفِنَا مَا أَهَمَّنَا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ.

Designed and Developed by Hal taalam Team