مِنْ قَصَصِ الْقُرْءَانِ
مَائِدَةُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، أما بعد:
فقد كَانَ سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ أُوتُوا مُعْجِزَاتٍ عَظِيمَةً كَثِيرَةً مِنْهَا مُعْجِزَةُ نُزُولِ الـمَائِدَةِ. وَكَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ أَمَرَ الحَوَارِيِّينَ وَهُمْ خِيرَةُ مَنْ ءَامَنُوا بِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِصِيَامِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، فَلَمَّا أَتَـمُّوهَا سَأَلُوا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنْزَالَ مَائِدَةٍ مِنَ السَّمَاءِ عَلَيْهِمْ لِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُـهُمْ بِأَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ تَقَبَّلَ صِيَامَهُمْ، ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ ۖ قَالَ اتَّقُوا اللهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (112) قَالُوا نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113)﴾ [سُورَة الـمائِدَة] وَلَكِنَّ سَيِّدَنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ وَعَظَهُمْ فِي ذَلِك وَخَافَ أَلَّا يَقُومُوا بِشُكْرِ اللهِ كَمَا يَجِبُ عَلَيْهَا، وَهُمْ قَد رَأَوُا الكَثِيرَ مِنَ الـمُعْجِزَاتِ، فَلِمَاذَا يَطْلُبُونَ الـمَزِيدَ؟ وَلَمَّا أَلَـحُّوا عَلَيْهِ بِذَلِكَ قَامَ إِلَى حَيْثُ كَانَ يُصَلِّي وَلَبِسَ ثِيَابًا مِنْ شَعَرٍ وَأَطْرَقَ رَأْسَهُ وَبَكَى خَوْفًا مِنَ اللهِ تَعَالَى وَأَخَذَ يَتَضَرَّعُ وَيَدْعُو بِأَنْ يُجَابُوا إِلَى مَا طَلَبُوا، ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةً مِّنكَ ۖ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سُورَة الـمائِدَةِ/114]. فَاسْتَجَابَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ دُعَاءَهُ، وَنَزَلَتِ الـمَائِدَةُ مِنَ السَّمَاءِ بَيْنَ غَمَامَتَيْنِ، غَمَامَةٍ فَوْقَهَا وَأُخْرَى تَحْتَهَا، وَحَوْلَـهَا الـمَلَائِكَةُ، وَصَارَتْ تَدْنُو شَيْئًا فَشَيْئًا، حَتَّى اسْتَقَرَّتْ بَيْنَ يَدَيْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهِيَ مُغَطَّاةٌ بِـمِنْدِيلٍ، فَقَامَ يَكْشِفُ عَنْهَا وَهُوَ يَقُولُ: "بِسْمِ اللهِ خَيْرِ الرَّازِقِينَ".
ثُمَّ أَمَرَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ الحَوَارِيِّينَ بِالأَكْلِ مِنْهَا، فَقَالُوا لَهُ: لَا نَأْكُلُ حَتَّى تَأْكُلَ، فَقَالَ عِيسَى: إِنَّـمَا يَأْكُلُ مِنْهَا مَنْ طَلَبَهَا وَسَأَلَـهَا، فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَبْدَؤُوا بِالأَكْلِ مِنْهَا أَمَرَ الفُقَرَاءَ وَالـمَسَاكِينَ وَالـمَرْضَى وَأَصْحَابَ العَاهَاتِ وَالـمُقْعَدِينَ وَالعُمْيَانَ وَكَانُوا قَرِيبًا مِنَ الأَلْفِ وَثَلَاثـمِائَةٍ أَنْ يَأْكُلُوا فَأَطَاعُوا. فَأَكَلُوا مِنْهَا وَحَصَلَتْ بَرَكَاتُ هَذِهِ الـمُعْجِزَةِ العَظِيمَةِ إِذْ شُفِيَ كُلُّ مَنْ بِهِ عَاهَةٌ أَوْ ءَافَةٌ أَوْ مَرَضٌ مُزْمِنٌ، وَصَارَ الفُقَرَاءُ أَغْنِيَاءَ، فَنَدِمَ النَّاسُ الَّذِينَ لَمْ يَأْكُلُوا مِنْهَا لَمَّا رَأَوْا مِنْ إِصْلَاحِ حَالِ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَكَلُوا.
وَلَمَّا تَـمَّ أَرْبَعُونَ يَوْمًا أَوْحَى اللهُ تَعَالَى إِلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا عِيسَى اجْعَلْ مَائِدَتِي هَذِهِ لِلْفُقَرَاءِ دُونَ الأَغْنِيَاءَ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِأَنْ لَا يَخُونُوا فَيَأْكُلَ مِنْهَا غَنِيٌّ وَأَنْ لَا يَدَّخِرُوا وَلَا يَرْفَعُوا مِنْ طَعَامِهَا وَيُـخَبِّئُوهُ لِغَدٍ، فَخَانَ مَنْ خَانَ وَادَّخَرَ مَنِ ادَّخَرَ، فَرُفِعَتِ الـمَائِدَةُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، وَتَكَلَّمَ مُنَافِقُوهُمْ فِي ذَلِكَ وَشَكَّكُوا النَّاسَ بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَ اللهُ: "يَا عِيسَى إِنِّي ءَاخِذٌ بِشَرْطِي" أَيْ سَأُعَذِّبُ مَنْ كَفَرَ. فَلَمَّا قَامَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ نَوْمِهِمْ فِي اليَوْمِ التَّالِي، تَحَوَّلُوا إِلَى خَنَازِيرَ بَشِعَةٍ، وَبَقُوا كَذَلِكَ عِدَّةَ أَيَّامٍ ثُمَّ دَعَا سَيِّدُنَا عِيسَى عليه السلام رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَقْبِضَ أَرْوَاحَهُمْ، فَأَصْبَحُوا لَا يُدْرَى أَيْنَ ذَهَبُوا، هَلِ الأَرْضُ ابْتَلَعَتْهُمْ، أَمْ غَيْرُ ذَلِكَ؟ وَتَحَدَّثَ النَّاسُ عَنْ هَذِهِ الـمُعْجِزَةِ العَظِيمَةِ، فَآمَنَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَازْدَادَ الـمُؤْمِنُونَ يَقِينًا وَثَبَاتًا فِي إِيـمَانِـهِمْ.
اللهم اجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين
اللهم استر عوراتنا وءامِن روعاتنا واكفنا ما أهمنا
وقنا شر ما نتخوف