مِنْ قَصَصِ الْقُرْءَانِ
مُحَاوَلَةُ إِحْرَاقِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ
مُعْجِزَةُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي عَدَمِ احْتِرَاقِهِ بِالنَّارِ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، أَمَّا بَعْدُ:

فَلَقَدْ أَرَادَ قَوْمُ نَبِيِّ اللهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَنْتَقِمُوا مِنْ نَبِيِّهِمْ وَرَسُولِـهِمْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصلاة السَّلَامُ لَمَّا كَسَّرَ أَصْنَامَهُمْ وَحَطَّمَهَا وَأَهَانَـهَا، فَلَمَّا غَلَبَهُمْ بِـحُجَّتِهِ الْقَوِيَّةِ السَّاطِعَةِ أَرَادُوا مَعَ مَلِكِهِمْ هَذَا أَنْ يَنْتَقِمُوا مِنْهُ وَيُـحْرِقُوهُ فِي نَارٍ عَظِيمَةٍ فَيَتَخَلَّصُوا مِنْهُ، قَالَ تَعَالَى مُـخْبِرًا عَنْ قَوْلِـهِم: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا ءالِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ/68].

فَشَرَعُوا يَـجْمَعُونَ الْـحَطَبَ مِنْ جَمِيعِ مَا يُـمْكِنُهُمْ مِنَ الْأَمَاكِنِ لِيُلْقُوهُ بِهَا وَجَعَلُوا ذَلِكَ قُرْبَانًا لِأَوْثَانِـهِمْ وَأَصْنَامِهِمْ، حَتَّى قيلَ إنَّ المرأةَ مِنْهُمْ كَانَتْ إِذَا مَرِضَتْ تَنْذُرُ لَئِنْ عُوفِيَتْ لَتَحْمِلَنَّ حَطَبًا لِـحَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ، وهَذَا يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ الْـحِقْدِ الْمُتَأَجِّجِ فِي صُدُورِهِمْ ضِدَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. ثُمَّ عَمَدُوا إِلَى حُفْرَةٍ عَظِيمَةٍ فَوَضَعُوا فِيهَا ذَلِكَ الْـحَطَبَ وَأَضْرَمُوا النَّارَ فِيهَا فَتَأَجَّجَتْ وَالْتَهَبَتْ وَعَلَا لَـهَا شَرَرٌ عَظِيمٌ لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ لِقُوَّةِ لَـهَبِهَا أَنْ يَتَقَدَّمُوا مِنْهَا، ثُمَّ لَمَّا كَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُـمْسِكُوا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِأَيْدِيهِمْ وَيَرْمُوهُ فِي هَذِهِ النَّارِ الْعَظِيمَةِ لِشِدَّةِ وَهْجِهَا، صَنَعُوا الْمِنْجَنِيقَ لِيَرْمُوهُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ، فَأَخَذُوا يُقَيِّدُونَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَهُوَ مُتَوَكِّلٌ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، فلَمَّا وَضَعُوهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ في كَفَّةِ هَذَا الْمِنْجَنِيقَ مُقَيَّدًا مَكْتُوفًا وَأَلْقَوْهُ منهُ إلى وَسَطِ النَّارِ قَالَ عليه السلام: "حَسْبُنَا اللهُ ونِعْمَ الوكيلُ" كَمَا رَوَى ذَلِكَ البُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

فَلَمَّا أُلْقِيَ إِبْرَاهِيمُ لَمْ تُـحْرِقْهُ النَّارُ وَلَمْ تُصِبْهُ بِأَذًى وَلَا ثِيَابَهُ؛ لِأَنَّ النَّارَ لَا تُـحْرِقُ بِذَاتِـهَا وَطَبْعِهَا، وَإِنَّـمَا اللهُ يَـخْلُقُ الْإِحْرَاقَ فِيهَا، قَالَ اللهُ عز وجل: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69)﴾ [سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ]. وَلَيْسَ مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ اللهَ نَطَقَ بِالْكَافِ وَالنُّونِ فَأَطْفَأَ تِلْكَ النَّارَ، لَا، إِنَّـمَا الْمَعْنَى أَنَّ اللهَ حَكَمَ فَانْطَفَأَتْ تِلْكَ النَّارُ الَّتِي رُمِيَ فِيهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ الصلاة والسَّلَامُ. فَكَانَتْ هَذِهِ النَّارُ الْـهَائِلَةُ الْعَظِيمَةُ بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ فَلَمْ تُـحْرِقْهُ وَلَمْ تُـحْرِقْ ثِيَابَهُ، وَقِيلَ: لَمْ تُـحْرِقْ سِوَى وِثَاقَهُ الَّذِي وَثَّقُوا وَرَبَطُوا بِهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

وَكَانَ النَّاسُ يَقِفُونَ عَلَى مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ، يَنْظُرُونَ هَذَا الْمَنْظَرَ الْـهَائِلَ الْمُخِيفَ.
مَكَثَ نُـمْرُودُ أَيَّامًا لَا يَشُكُّ أَنَّ النَّارَ قَدْ أَكَلَتْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصلاة السَّلَامُ. وَلَمَّا خَبَا سَعِيرُ هَذِهِ النَّارِ الْعَظِيمَةِ وَانْقَشَعَ دُخَانُـهَا وَجَدُوا إِبْرَاهِيمَ سَلِيمًا مُعَافًى لَمْ يُصِبْهُ أَيُّ أَذًى فتَعَجَّبُوا لِأَمْرِهِ وَنَـجَاتِهِ، وَمَعَ أَنَّـهُمْ رَأَوْا هَذِهِ الْمُعْجِزَةَ الْبَاهِرَةَ، فَإِنَّ نُـمْرُودَ وَقَوْمَهُ ظَلُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِنَبِيِّ اللهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَقَدْ أَرَادُوا أَنْ يَنْتَصِرُوا لِكُفْرِهِمْ فَخُذِلُوا، يَقولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70)﴾ [سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ].

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الصَّالِـحِينَ وَأَدْخِلْنَا الْـجَنَّةَ مَعَ الأَوَّلِينَ.

Designed and Developed by Hal taalam Team