مِنْ قَصَصِ الْقُرْءَانِ
هلاك فرعون

الحمدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، أَمَّا بَعْدُ:
فَلَقَدْ أَخْبَرَنَا اللهُ تَعَالَى فِي الْقُرْءَانِ الْكَرِيمِ عَنْ كَيْفِيَّةِ غَرَقِ فِرْعَوْنَ، فَإِنَّهُ لَمَّا ضَرَبَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِعَصَاهُ الْبَحْرَ ارْتَطَمَ الْبَحْرُ بِأَمْوَاجِهِ الْـهَائِلَةِ عَلَى فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ، وَجَعَلَتِ الْأَمْوَاجُ الْـهِائِجَةُ تُـخْفِضُ فِرْعَوْنَ تَارَةً وَتَرْفَعُهُ أُخْرَى، وَبَنُو إِسْرَائِيلَ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَإِلَى جُنُودِهِ بَيْنَ الْأَمْوَاجِ الْعَاتِيَةِ وَهُمْ يَغْرَقُونَ، وَكَانَ هَذَا الْبَأْسُ الشَّدِيدُ وَالْـخَطْبُ الْـجَسِيمُ الَّذِي نَزَلَ بِفِرْعَوْنَ وَأَتْبَاعِهِ أَقَرَّ لِأَعْيُنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَشْفَى لِنُفُوسِهِمْ لِمَا عَانَوْا مِنْ ظُلْمِ فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ عَلَى كُفْرِهِ وَضَلَالِهِ وَبَطْشِهِ.

قَالَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ [سُورَة يُونُسَ/90] عَبَرْنَا بِـهِمْ ﴿فَأَتْبَعَهُمْ﴾ لَحِقَهُمْ ﴿فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا﴾ أَيْ ظُلْمًا وَاعْتِدَاءً. وَقِيلَ بَغْيًا فِي الْقَوْلِ وَعَدْوًا فِي الْفِعْلِ. وَكَانَ الْبَحْرُ قَدِ انْفَلَقَ لِمُوسَى عليه السلام وَقَوْمِهِ، فَلَمَّا وَصَلَ فِرْعَوْنُ بِـجُنُودِهِ إِلَى الْبَحْرِ هَابُوا دُخُولَهُ وَقَدْ شَاءَ اللهُ أَنْ يَكُونَ جِبْرِيلُ عليه السلام رَاكِبًا عَلَى فَرَسٍ أُنْثَى وَفِرْعَوْنُ رَاكِبًا عَلَى جَوَادٍ ذَكَرٍ، فَلَحِقَ حِصَانُ فِرْعَوْنَ فَرَسَ جِبْرِيلَ، فَاقْتَحَمَتِ الْخُيُولُ خَلْفَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ ءَاخِرُهُمْ وَهَمَّ أَوَّلُـهُمْ أَنْ يَـخْرُجَ مِنَ الْبَحْرِ انْطَبَقَ عَلَيْهِمُ الْمَاءُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾ أَيْ غَمَرَهُ الْمَاءُ وَقَرُبَ هَلَاكُهُ، فإنَّ فِرْعَوْنَ الطَّاغِيَةَ لَمَّا كاَنَ بَيْنَ الْأَمْوَاجِ الْـهَائِمَةِ الْمُدَمِّرَةِ وَأَصْبَحَ عَلَى وَشْكِ الْغَرَقِ وَقَدْ عَايَنَ مَا أُحِيطَ بِهِ مِنْ أَسْبَابِ الْـهَلَاكِ أَعْلَنَ وَقَالَ: ﴿قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُ لَا إِلِهَ إِلَّا الَّذِي ءَامَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سُورَة يُونُسَ/90] تَلَفَّظَ كَمَا أَخْبَرَ اللهُ عَنْهُ حِينَ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ رَأَى الْيَأْسَ وَعَايَنَهُ، أَيْ أَنَّ إِعْلَانَ التَّوْبَةِ مِنْ فِرْعَوْنَ مَا صَحَّ وَمَا قُبِلَ، وَلَمْ يَنْفَعْهُ إِيـمَانُهُ وَإِسْلَامُهُ فِي تِلْكَ اللَّحَظَاتِ الَّتِي أَدْرَكَ وَعَايَنَ فِيهَا الْغَرَقَ؛ لِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ التَّوْبَةِ أَنْ تَكُونَ قَبْلَ حَالَةِ الْيَأْسِ مِنَ الْـحَيَاةِ الَّتِي لَا يَقْبَلُ اللهُ تَعَالَى التَّوْبَةَ فِيهَا. فَقِيلَ لهُ: ﴿ءَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [سُورَة يُونُسَ/91] أَيْ ءَالآنَ تُؤْمِنُ أَوْ تَتُوبُ، الْآنَ تُقِرُّ للهِ بِالْعُبودِيَّةِ، وَتَسْتَسْلِمُ لَهُ بِالذِّلَةِ، وَقَدْ عَصَيْتَهُ قَبْلَ نُـزُولِ نِقْمَتِهِ بِكَ، فَأَسْخَطْتَهُ عَلَى نَفْسِكَ، {وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} فِي الْأَرْضِ، الصَّادِّينَ عَنْ سَبِيلِهِ؟ وَمَعَ هَذِهِ الْمُعْجِزَةِ الْعَظِيمَةِ قَالَ بَعْضُ أَتْبَاعِ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ اخْتَفَى وَلَمْ يَـمُتْ، وَقَالُوا: هُوَ أَعْظَمُ شَأْنًا مِنْ أَنْ يَغْرَقَ فَأَخْرَجَهُ اللهُ سُبْحَانَهُ مِنَ الْمَاءِ حَتَّى رَأَوْهُ، أَظْهَرَ اللهُ تَعَالَى جَسَدَ فِرْعَوْنَ الْمُتَكَبِّرِ مُنْتَفِخًا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءايَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ ءايَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [سُورَةُ يُونُسَ/92]. وَأُولَئِكَ قَالُوا ذَلِكَ غَافِلِينَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّة اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (85)﴾ [سورة غافر] فَإِيـمَانُهُ إِيـمَانُ يَأْسٍ غَيْرُ مَقْبُولٍ.

اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنا وَءَامِنْ رَوْعَاتِنَا وَاكْفِنَا مَا أَهَمَّنَا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ.

Designed and Developed by Hal taalam Team