حِكَمٌ وَعِبَـرٌ
أَصْحَابُ البُسْتَانِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، أما بعد:
فقَدْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى فِي القُرْءَانِ الكَرِيـمِ فِي سُورَةِ "القَلَمِ" شَيْئًا مِنْ قِصَّةِ أَصْحَابِ الجَنَّةِ أَيِ البُسْتَانِ الَّذِينَ لَمْ يُؤَدُّوا حَقَّ اللهِ تَعَالَى فِيهِ، فَحَرَمَهُمْ مِنْهُ عِقَابًا عَلَى نِيَّتِهِمُ الخَبِيثَةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهَا نَارًا أَحْرَقَتْهَا لَيْلًا وَهُمْ نَائِمُونَ كَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ وجل فِي القُرْءَانِ الكَرِيـمِ: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ﴾ مُحْتَرِقَةً سَوْدَاءَ ﴿كَالصَّرِيمِ (20)﴾ كَاللَّيْلِ الـمُظْلِمِ ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21)﴾ أَيْ نَادَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَقْتَ الصَّبَاحِ ﴿أَنِ اغْدُوا عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ (22)﴾ أَنِ اذْهَبُوا مُبْكِرِينَ إِلَى زَرْعِكُمْ، إِنْ كُنْتُمْ مُصِرِّينَ عَلَى قَطْعِ الثِّمَارِ ﴿فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23)﴾ وَهْمُ يَتَسَارُّونَ بِالحَدِيثِ فِيمَا بَيْنَهُمْ ﴿أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ (24)﴾ بِأَنْ لَا تُـمَكِّنُوا اليَوْمَ أَحَدًا مِنَ الـمَسَاكِينِ مِنْ دُخُولِ حَدِيقَتِكُمْ ﴿وَغَدَوْا عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ (25)﴾ سَارُوا أَوَّلُ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَيْقِظَ النَّاسُ إِلَى بُسْتَانِـهِمْ لِيَقْطِفُوا ثِـمَارَهُ وَيَحْصُدُوا زَرْعَهُ وَيَقْتَسِمُوهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَلَا يَبْقَى شَىْءٌ لِلْفُقَرَاءِ.
فَأَرْسَلَ اللهُ سَيِّدَنَا جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَيْلًا بِبَلَاءٍ شَدِيدٍ، فَاقْتُلِعَتْ نَبَاتَاتُـهُمْ وَاحْتَرَقَتْ شَجَرَاتُـهُمْ، وَأَصْبَحَ بُسْتَانُـهُمْ أَسْوَدَ كَاللَّيْلِ. وَطَلَعَ عَلَيْهِمُ النَّهَارُ وَهُمْ عَلَى مَشَارِفِ بُسْتَانِـهِمْ يَتَسَاءَلُونَ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا﴾ أَهَذَا بُسْتَانُنَا، وَقَدْ تَرَكْنَاهُ بِالأَمْسِ مُورِقًا بِأَشْجَارِهِ، وَافِرًا بِثِمَارِهِ؟ مَا نَظُنُّ هَذَا بُسْتَانَنَا ﴿إِنَّا لَضَالُّونَ (26)﴾ أي ضالون عَنْهُ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ "بَلْ هِيَ جَنَّتُكُمْ، حُرِمْتُمْ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يُحْرَمَ الفَقِيرُ مِنْهَا، وَجُوزِيْتُمْ عَلَى بُـخْلِكُمْ وَشُحِّكُمْ". ﴿أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28)﴾ ثُمَّ ﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30)﴾ فَالأَوَّلُ يَقُولُ: "أَنْتَ أَشَرْتَ عَلَيْنَا بِـمَنْعِ الـمَسَاكِينِ"، وَيَقُولَ الآخَرُ: "بَلْ أَنْتَ زَيَّنْتَ لَنَا حِرْمَانَـهُمْ"، فَيُجِيبُهُ أَحَدُهُمْ: "أَنْتَ خَوَّفْتَنَا الفَقْرَ"، وَيَقُولُ ءَاخِرُهُمْ: "بَلْ أَنْتَ الَّذِي رَغَّبْتَنَا بِجَمْعِ الـمَالِ" ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31)﴾ أَيْ عَصَيْنَا رَبَّنَا بِـمَنْعِ الزَّكَاةِ.
وَلَكِنْ أَدْرَكَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِرَحْمَتِهِ عِنْدَمَا أَظْهَرُوا اسْتِعْدَادَهُمْ لِلتَّوْبَةِ وَقَالُوا: ﴿عَسَىٰ رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32) كَذَٰلِكَ الْعَذَابُ ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33)﴾. فَدَعَوُا اللهَ وَتَضَرَّعُوا وَتَابُوا إِلَيْهِ فَأَبْدَلَـهُمْ مِنْ لَيْلَتِهِمْ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا، وَأَمَرَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَقْتَلِعَ بُسْتَانَـهُمُ الـمَحْرُوقَ وَيَجْعَلَهُ فِي مَكَانٍ بَعِيدٍ وَأَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ بُسْتَانًا عَامِرًا وَيَجْعَلَهُ مَكَانَ الأَوَّلِ، فَكَانَتِ البَرَكَةُ فِيهِ ظَاهِرَةً، وَعَادُوا إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وَالِدُهُمْ لَا يَـمْنَعُونَ فَقِيرًا وَلَا مِسْكِينًا، يُطَهِّرُونَ أَمْوَالَـهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ بِـمَا يُرْضِي اللهَ عَزَّ وَجَلَّ.
ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.