مِنْ قَصَصِ الْقُرْءَانِ
بِعَصَا مُوسَى انْفَلَقَ الْبَحْرُ
الْـحَمدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، أَمَّا بَعْدُ: فَقَدْ بُعِثُ سَيِّدُنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي زَمَنِ الْمَلِكِ الظَّالِمِ الطَّاغِيَةِ فِرْعَوْنَ، وكَانَ اسْـمُهُ الْوَلِيدَ بْنَ مُصْعَبٍ، وَكَانَ يَدَّعِي الْأُلُوهِيَّةَ وَالْعِيَاذُ بِاللهِ، فَمَرَّةً قَالَ: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [سُورَةُ القَصَصِ/38] وَمَرَّةً قَالَ: ﴿أناْ ربُّكُمُ الأعَلَى (24)﴾ [سُورَةُ النَّازِعَاتِ] فَجَاءَ سَيِّدُنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يَدْعُو إِلَى تَوْحِيدِ اللهِ وَتَنْزِيهِهِ عَنِ الشَّرِيكِ وَالشَّبِيهِ، وَأَمَرَهُ اللهُ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى فِرْعَوْنَ لِيَدْعُوَهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، قَالَ عز من قائل لِمُوسَى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ أَيْ تَـجَاوَزَ الْـحَدَّ فِي الْكُفْرِ، ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَن تَزَكَّى﴾ أَيْ أَدْعُوكَ فَتَتَحَلَّى بِالْفَضَائِلِ وَتَتَطَهَّرَ مِنَ الرَّذَائِلِ وَمِنَ الْكِبْرِ وَالْكُفْرِ ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ أَيْ أَدُلُّكَ عَلَى مَعْرِفَتِهِ فَتَخَافَهُ ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾ مِنَ الْآيَاتِ السَّبْعِ.
وَكَانَ سَيِّدُنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ لَقِيَ مِنْ فِرْعَوْنَ وَأَتْبَاعِهِ مَا لَقِيَ مِنَ الْأَذَى، فَخَرَجَ وَمَنِ اتَّبَعَهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ وَكَانَ مَعَهُ سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ، وَلَـحِقَهُ فِرْعَوْنُ وَخَرَجَ مَعَهُ أَلْفُ أَلْفٍ وَسِتُّمِائَةِ أَلْفٍ مِنَ الْمُقَاتِلِينَ يُرِيدُ أَنْ يُبِيدَ مُوسَى عليه السلام وَمَنْ مَعَهُ.
قَالَ عز وجل: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَا الْجَمْعَانِ﴾ [سُورَةُ الشُّعَرَاءِ/61] أَيْ تَقَابَلَا بِـحَيْثُ يَرَى كُلُّ فَرِيقٍ صَاحِبَهُ ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61)﴾ [سُورَةُ الشُّعَرَاءِ] أَيْ قَرُبَ مِنَّا الْعَدُوُّ وَلَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)﴾ [سُورَةُ الشُّعَرَاءِ] قَالَ مُوسَى عليه السلام لِقَوْمِهِ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرْتُمْ، كَلَّا لَنْ تُدْرَكُوا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِي لِطَرِيقٍ أَنْـجُو فِيهِ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63)﴾ [سُورَةُ الشُّعَرَاءِ]. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أَيْ فَضَرَبَ مُوسَى بِعَصَاهُ الْبَحْرَ فَانْشَقَّ الْبَحْرُ فَكَانَتْ كُلُّ قِطْعَةٍ مِنَ الْمَاءِ كَالْـجَبَلِ الْكَبِيرِ. وَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ الْبَحْرَ انْفَلَقَ اثْنَيْ عَشَرَ فِرْقًا، كُلُّ فِرْقٍ مِنْهَا كَالْـجَبَلِ الْعَظِيمِ، وَبَيْنَ كُلِّ فِرْقَيْنِ طَرِيقٌ يَبَسٌ. فَدَخَلَ مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ الْبَحْرَ، وَقَدِمَ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ، وَقَالَ: لَنَلْحَقَنَّهُمْ وَلَنُدْرِكَنَّهُمْ، وَقَدْ شَاءَ اللهُ أَنْ يَكُونَ جِبْرِيلُ عليه السلام رَاكِبًا عَلَى فَرَسٍ أُنْثَى وَفِرْعَوْنُ رَاكِبًا عَلَى جَوَادٍ ذَكَرٍ، فَطَلَبَ حِصَانُ فِرْعَوْنَ اللُّحُوقَ بِفَرَسِ جِبْرِيلَ، فَسَاقَ اللهُ فِرْعَوْنَ وَجُنُودَهُ إِلَى حَيْثُ أَرَادَ، وَذَلِكَ جَزَاءً لَـهُمْ عَلَى مَكْرِهِمْ وَكُفْرِهِمْ وَتَكَبُّرِهِمْ، فَمَكَرَ فِرْعَوْنُ، وَمَكْرُهُ خُبْثٌ وَخِدَاعٌ، قَالَ عز وجل: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (54)﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ].
وَهُنَا تَنْبِيهٌ: إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ وَقَوْلِهِ عز وجل: ﴿وَمَكَرَ اللهُ﴾ هُوَ مَعْنَى يَلِيقُ بِاللهِ، لَيْسَ بِالْمَعْنَى الْمُضَافِ إِلَى الْمَخْلُوقِ، فَقَدْ قَالَ عُلَمَاءُ التَّوْحِيدِ: إِنَّ الْمَكْرَ مُضَافًا إِلَى اللهِ مَعْنَاهُ أَنَّ اللهَ أَقْوَى فِي إِيصَالِ الضَّرَرِ إِلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ. وَهَذَا يُعْرَفُ فِي عِلْمِ الْبَلَاغَةِ بِالْمُشَاكَلَةِ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ عِنْدَ الْبَلَاغِيِّينَ.
اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنا وَءَامِنْ رَوْعَاتِنَا
وَاكْفِنَا مَا أَهَمَّنَا
وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ.