حِكَمٌ وَعِبَـرٌ مِنَ القُرْءَانِ الكَرِيمِ
تَسْبِيحُ الجِبَالِ وَالطُّيُورِ مَعَ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، أما بعد:
فَقَدْ أَوْحَى اللهُ تَعَالَى مِنْ جُمْلَةِ مَا أَوْحَى إِلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَخْبَارَ بَعْضِ الأَنْبِيَاءِ الكِرَامِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللهُ فِي القُرْءَانِ الكَرِيمِ لِيَسْتَأْنِسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَصَصِهِمْ، مِنْ هَؤُلاءِ الأَنْبِيَاءِ نَبِيُّ اللهِ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ الَّذِي ءَاتَاهُ اللهُ مُعْجِزَةً بَاهِرَةً، ذَلِكَ أَنَّهُ وُهِبَ صَوْتًا عَظِيمًا لَمْ يُعْطَ لِأَحَدٍ مِنْ قَبْلُ، بِحَيْثُ إِنَّهُ كَانَ إِذَا تَلَا الزَّبُورَ وَهُوَ الكِتَابُ السَّمَاوِيُّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ، تَجْتَمِعُ الطَّيْرُ لِـهَذَا الصَّوْتِ الحَسَنِ فَتَسْتَمِعُ لِتَسْبِيحِهِ الجَمِيلِ وَتُرَدِّدُ مَا يَقُولُ وَتُسَبِّحُ مَعَهُ بِـمُخْتَلِفِ الأَصْوَاتِ بِأَعْذَبِ النَّغَمَاتِ قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً ۖ كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾ [سُورَة ص/19]، وَلَمْ تَكُنِ الطُّيُورُ فَقَطْ تُسَبِّحُ مَعَهُ، بَلْ كَانَتِ الجِبَالُ الشَّامِخَاتُ قَدْ جَعَلَ اللهُ فِيهَا قُدْرَةً وَمَنْطِقًا، فَكَانَتْ تُسَبِّحُ اللهَ مَعَهُ مَسَاءً وَصَبَاحًا ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [سُورَة ص/18].
فَإِذَا سَبَّحَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِصَوْتِهِ الرَّخِيمِ سَبَّحَتْ مَعَهُ حَيْثُ سَارَ قَائِلَةً: "سُبْحَانَ اللهِ" أَيْ تَنَزَّهَ اللهُ عَنِ الشَّرِيكِ وَالشَّبِيهِ وَالـمَثِيلِ، فَيُنْطِقُهَا اللهُ كَمَا أَنْطَقَ الحَصَى الَّتِي سَبَّحَتْ فِي يَدِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعْجِزَةً لَهُ دَالَّةً عَلَى صِدْقِ نُبُوَّتِهِ كَيْ يَتْبَعَهُ النَّاسُ، فَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [سُورَة الإِسْرَاء/44].
وَكَانَ مِنْ حُسْنِ صَوْتِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ إِذَا قَرَأَ كِتَابَ اللهِ تَجْتَمِعُ الوُحُوشُ إِلَيْهِ وَتَتَزَاحَمُ عِنْدَهُ، حَتَّى إِنَّـهَا لَوْ أُمْسِكَتْ بِأَعْنَاقِهَا وَأُخِذَتْ لَا تَنْفِرُ، وَكَذَلِكَ كَانَ الـمَاءُ الجَارِي يَنْقَطِعُ عَنِ الجَرْيِ وُقُوفًا لِصَوْتِهِ الحَسَنِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَذَكَرَ "الطَّبَرِيُّ" أَنَّ اللهَ أَمَرَ الجِبَالَ وَالطَّيْرَ أَنْ يُسَبِّحْنَ مَعَهُ إِذَا سَبَّحَ، وَلَمْ يُعْطِ اللهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ مِثْلَ صَوْتِهِ، كَانَ إِذَا قَرَأَ الزَّبُورَ تَرْنُو لَهُ الوُحُوشُ حَتَّى يَأْخُذَ بِأَعْنَاقِهَا وَإِنَّـهَا لَمُصِيخَةٌ تَسْمَع لِصَوْتِهِ؛ أَيْ مِنْ شِدَّةِ انْجِذَابِـهَا لِلصَّوْتِ تَسْتَسْلِمُ لِمَنْ يَأْخُذُ بِأَعْنَاقِهَا وَلَا تُقَاوِمُ.
كَمَا وَرَدَتْ هَذِهِ الـمَعَانِي فِي سُورَةِ سَبَأٍ بَيَانًا لِمَا كَانَ عَلَيْهِ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا ۖ يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ۖ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سَبَأَ/10، 11] فَاللهُ أَعْطَى دَاوُدَ هَذِهِ الـمِيزَةَ مَنًّا مِنْهُ وَفَضْلًا حَيْثُ أَمَرَ الجِبَالَ وَالطَّيْرَ أَنْ تُرَدِّدَ مَعَهُ مَا يَتْلُوهُ مِنَ الزَّبُورِ تَـهَجُّدًا وَتَسْبِيحًا، وَفِي الآيَةِ حَثٌّ لِدَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَتَشْجِيعٌ لَهُ بِأَنَّ اللهَ مَعَهُ فِي طَلَبِهِ الرِّزْقَ مِنْ خِلَالِ عَمَلِ الدُّرُوعِ وَإِحْكَامِ صَنْعَتِهَا. وَلَمْ يَكُنْ يَشْغَلُ كُلَّ وَقْتِهِ بِصُنْعِهَا، بَلْ كَانَ يَصْرِفُ أَغْلَبَ أَوْقَاتِهِ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى دِينِ الإِسْلَامِ وَالعِبَادَةِ وَقَضَاءِ حَوَائِجِ النَّاسِ. وَلَمْ تَكُنْ صَنْعَةُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلدُّرُوعِ تُنْقِصُ مِنْ مَنْصِبِ النُّبُوَّةِ بَلْ كَانَتْ زِيَادَةً فِي قَدْرِهِ وَفَضْلِهِ، وَلَمْ يَكُنِ الوَحِيدَ بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ مِـمَّنْ يَعْمَلُ بِيَدِهِ.
اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا عِلْمًا نَافِعًا وَقَلْبًا خَاشِعًا وَلِسَانًا ذَاكِرًا
وَجَسَدًا عَلَى البَلَاءِ صَابِرًا