Edit Template

أرضيتم بالحياة الدنيا

أما بعدُ فقد قالَ اللهُ تباركَ وتعالى: {أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} [سورة التوبة/38]. وروى مسلمٌ عن النبيِّ عليهِ الصلاةُ والسلاُم أنهُ قالَ: "ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلَّا مِثْلُ ما يَجْعَلُ أحَدُكُمْ إصْبَعَهُ هذِه في اليَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بمَ تَرْجِعُ؟" فماذا يكونُ هذا البللُ بالنسبةِ لعِظَمِ البحرِ؟ وكذلكَ عذابُ الدنيا بالنسبةِ لعذابِ الآخرةِ؟

{‏أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ‏} أي‏ ما حالُكم إلا حالُ مَنْ رضيَ بالدنيا وسعى لها ولم يبالِ بالآخرةِ، {‏فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا‏} ‏ التي مالتْ بكم، وقدمتُمُوها على الآخرةِ ‏ {إِلَّا قَلِيلٌ‏}‏ أفليسَ قد جعلَ اللّهُ لكم عقولًا تَزِنُون بها الأمورَ؟ وأيُّها أحقُّ بالإيثارِ‏؟‏‏

{‏فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا‏} المتاعُ هو ما يَتمتعُ به صاحبُهُ برهةً بهِ ثم ينقطعُ ويفنى، فما عيبتِ الدنيا بأكثرَ من ذكرِ فنائِها وتقلبِ أحوالِها وهو أولُ دليلٍ على انقضائِها، فالدنيا لا تُغني عن الآخرةِ بشىءٍ، الدنيا لا تُساوي عندَ اللهِ جناحَ بعوضةٍ. فمن عرفَ الآخرةَ وعظمتَها رغِبَ فيها وعمِلَ ليسكنَ دارًا لا يموتُ سكانُها ولا يخربُ بنيانُها ولا يتغيرُ حُسْنُها، يتقلبُ أهلُها في رحمةِ أرحمِ الراحمينَ. هذا شأنُ الكيسِ الفطنِ المتدبرِ، لا يهمُهُ التعلقُ بهذه الدنيا؛ لأنهُ علمَ أنَّ التعلقَ فيها لا يُفيدُ. فالدنيا دارُ ممرٍّ أما الآخرةُ فدارُ البقاءِ. عن ابنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهما قالَ: "أخذَ رسولُ اللهِ بمنكبي فقالَ: "كنْ في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابرُ سبيلٍ"، وكانَ ابنُ عمرَ يقولُ: "إذا أمسيتَ فلا تنتظرِ الصباحَ وإذا أصبحتَ فلا تنتظرِ المساءَ وخُذْ من صحتِكَ لمرضِكَ ومِنْ حياتِكَ لموتِكَ" رواهُ البخاريُّ.

اللهمَّ ارْزُقْنا الجنَّةَ وما قَرَّبَ إليها مِنْ قولٍ أو عملٍ، اللَّهُمَّ أَحْسِنْ لنَا خِتَامَنَا يا ربَّ العَالَمِين.

Designed and Developed by Hal taalam Team