أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ
أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ أَسْلَمَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَرَأَتْ وعَايَنَتْ بِنَفْسِهَا صَرَخَاتِ الـمُتَأَلِّمِينَ وءَاهَاتِ الْمُعَذَّبِينَ تَحْتَ سِيَاطِ كُفَّارِ قُرَيشٍ وَضَرَبَاتِهم فَمَا اهْتَزَّ إيمَانُهَا، وَلَا تَزَعْزَعَ بِخَوْفٍ أَوْ وَجَلٍ. وَقَدْ صَلَّتْ أُمُّ كُلْثُومٍ نَحْوَ الْقِبْلَتَيْنِ، وَبَايَعَتْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ قَبْلَ هِجْرَتِهِ إلَى الْمَدِينَةِ.
وَكَانَ وَالِدُهَا عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْمُسْلِمِينَ كَثِيرَ الْأَذَى، وَقَعَ فِي الْأَسْرِ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ لَما كَانَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ فَقُتِلَ بِأَيْدِيهِم، وَأَمَّا أَخَوَاهَا الشَّقِيقَانِ وَهُمَا الْوَلِيدُ وَعُمَارَةُ ابْنَا عُقْبَةَ فَقَد أَسْلَمَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ.
وَبِالرَّغْم مِنْ ضَلَالِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ رَبُّنَا أَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ مَنْ يُوَحِّدُ اللهَ وَهِيَ ابْنَتُهُ أُمُّ كُلْثُومٍ، أُمُّ كُلْثُومٍ كَانَتْ ذَكِيَّةً جِدًّا وَكَانَتْ تُحِبُّ الْعِلْمَ وَكَانَتْ مِنْ قَلَائِل النِّسَاءِ اللَّوَاتِي يَهْتَمِمْنَ بِالْعِلْمِ فِي مَكَّةَ.
وَأُمُّ كُلْثُومٍ هِيَ أُخْتُ أَحَدِ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ لِأُمِّه، وصِهْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنْه، فَقَد تَزَوَّجَتْ أَرْوَى بِنْتُ كُرَيْزٍ مِن عَفَّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، فَوَلَدَتْ لَهُ عُثْمَانَ وءَامِنَةَ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا مِنْ بَعْدِهِ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ فَوَلَدَتْ لَهُ الْوَلِيدَ وَعُمَارَةَ وخَالدًا وَأُمَّ كُلْثُومٍ وَأُمَّ حَكِيمٍ وهِنْدًا.
وَأَرْوَى هَذِه صَحَابِيَّةٌ كَرِيمَةٌ، عَلِمَتْ بِإِسْلَامِ ابْنِهَا عُثْمَانَ فِي بَدْءِ الدَّعْوَةِ، فَلَم تُنْكِرْ عَلَيْهِ ذَلِكَ، بَلْ كَانَتْ سَبَّاقَةً إلَى نُصْرَةِ النَّبِيِّ الْعَظِيمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالدِّينِ الْحَنِيف، فَقَدْ وَقَفَتْ وَقْفَةً مُبَارَكَةً جَرِيئَةً حَفِظَتْهَا كُتُبِ التّارِيخِ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْأَثِيرِ أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ قَدْ شَكَا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ إلَى أُمِّهِ أَرْوَى فَقَالَ لَهَا: إنَّ ابْنَكِ قَدْ صَارَ يَنْصُرُ مُحَمّدًا فَلَمْ تُنْكِرْ ذَلِكَ مِنْ ابْنِهَا، وَوَقَفْتْ فِي مَوْقِفِ مُشَرِّفٍ وَقَالَتْ لِعُقْبَةَ: ومَن أَوْلَى بِهِ مِنَّا؟ أَمْوَالُنَا وَأَنْفُسُنَا دُونَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
اللهُمَّ لَا سَهُلَ إلَّا مَا جَعَلَتْه سَهْلًا، وَأَنْتَ تَجْعَلُ الْحَزْنَ إذَا شِئْتَ سَهْلًا.