امْتِحَانُ أُمِّ كُلْثُومٍ

أَمَّا بَعْدُ، فَلَمَّا نَزَلَتْ الْآيَةُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} [سورة الممتحنة] أَمَرَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ بامْتِحَانِهِنَّ لِأَنَّ مَحَلَّ الْإِيمَانِ هُوَ الْقَلْبُ، وَذَلِكَ بَاطِنٌ لَا سَبِيلَ لِلْخَلْقِ عَلَى الْوُقُوفِ عَلَى مَا فِيهِ، فَإِذَا وَصَفْنَ اللهَ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَالْوَحْدَانِيَّةِ وَالنَّبِيَّ بِالرِّسَالَةِ وَجَبَ الْحُكْمُ بِالْإِيمَانِ عَلَى مَا ظَهَرَ.

وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ عَنْ أَبِي نَصْرٍ الْأَسَدِيِّ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، كَيْفَ كَانَ امْتِحَانُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النِّسَاءَ؟ قَال: كَانَ يـَمْتَحِنُهُنَّ: بِاللهِ مَا خَرَجْتِ مِن بُغْضِ زَوْجٍ، وَبِاللهِ مَا خَرَجْتِ رَغْبَةً عَنْ أَرْضِ إِلَى أَرْضِ، وَبِاللهِ مَا خَرَجْتِ التِمَاسَ دُنْيَا، وَبِاللهِ مَا خَرَجْتِ إلَّا حُبًّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي "دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ" أَنَّ أُمَّ كُلْثُومٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا لَمَّا هَاجَرَتْ لَحِقَهَا أَخَوَاهَا الْوَلِيدُ وَعُمَارَةُ ابْنَا عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ ليَرُدَّاهَا، فَمَنَعَهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُمَا بِالإِسْلَام، وَلَم يَدْفَعُهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمَا. ثُمّ امْتَحَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمَّ كُلْثُومٍ وَالنِّسَاءَ بَعْدَهَا.

وَيُرْوَى أَنَّ الْوَلِيدَ وَعُمَارَةَ دَخَلَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَا: يَا مُحَمَّدُ أَعِدْ لَنَا أُخْتَنَا أُمَّ كُلْثُومٍ، رُدَّهَا إِلَيْنَا، هُنَاكَ شُرُوطٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، وَأَنْتَ مِنْ نَعْلَمُ لَا تَنْقُضُ عَهْدًا وَلَا تُخْلِفُ وَعْدًا. فَلَمَّا نَزَلَ قَوْلُ اللهِ فِي سُورَةِ الْمُمْتَحَنَة اسْتَثْنَى النِّسَاءَ، وَكَانَ هَذَا الِامْتِحَانُ لِأُمِّ كُلْثُومٍ، فَكَانَتْ الْمُمْتَحَنَةَ الْأُولَى. فَقَدْ خَرَجَتْ حُبًّا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وطَلَبًا لِلْإِسْلَامِ لَا حُبًّا لِزَوْجٍ وَلَا لِمَالٍ.

وَهُنَا نَتَوَقَّفُ عِنْدَ أَمْرٍ مُهِمٍّ وَهُوَ أَنْ الرَّسُولَ عَلِم بِأَنَّهَا جَاءَتْ وَحْدَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا مَحْرَمٌ فِرَارًا بِدِينِهَا، لِلضَّرُورَةِ خَرَجَتْ، هِيَ خَافَتْ عَلَى نَفْسِهَا أنْ يَقْهَرَهَا أَهْلُهَا وَيَرُدُّوهَا إلَى الْكُفْرِ، إِلَى الشِّرْكِ. فَالرَّسُولُ مَا اعْتَرَضَ عَلَيْهَا مَا قَالَ لَهَا أَنْتِ كَيْفَ خَرَجْتِ بِلَا مَحْرَمٍ وَقَطَعْتِ هَذِهِ الْمَسَافَةَ الطَّوِيلَةَ الَّتِي هِيَ نَحْوُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ بِسَيْرِ الْأَقْدَامِ؟ مَا قَالَ لَهَا كَيْفَ قَطَعْتِ هَذِهِ الْمَسَافَةَ الطَّوِيلَةَ بِلَا مَحْرَمٍ؟ مَا اعْتَرَضَ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا خَرَجَتْ لِلضَّرُورَةِ. وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا كَانَ سَفَرَ ضَرُورَةٍ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُسَافِرَ بِلَا مَحْرَمٍ عِنْدَ الْجَمِيعِ.

ثُمَّ جَاءَ أَخَوَاهَا ليرُدَّاهَا، لَحِقَهَا اثْنَانِ مِنْ إخْوَتـِهَا ليَرُدَّاهَا فَلَمْ يُعْطِهِمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أختَهُمَا، مَنَعَهُما. فَهَذِهِ أُمُّ كُلْثُومٍ بَقِيَتْ وَثَبَتَتْ عَلَى الْإِيمَانِ فَكَانَتْ مِنْ فَاضِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ هَذِهِ لَهَا فَضْلٌ كَبِيرٌ تَرَكْتْ مَكَّةَ وَأَهْلَهَا الَّذِينَ فِيهَا حُبًّا فِي اللهِ وَرَسُولِهِ مَا قَالَتْ أَنَا ذَاهِبَةٌ الْآنَ إلَى بَلَدِ الْغُرْبَةِ الَّتِي لَيْسَ لِي فِيهَا أَهْلٌ وَلَيْسَ لِي مَالٌ أَحْمِلُهُ مَعِي فَيَكْفِينِي لِمُدَّةِ إِقَامَتِي هُنَاكَ مَا فَكَّرَتْ فِي هَذَا إلَّا فِي حُبِّ اللهِ وَرَسُولُهُ فَكَّرَتْ فِي ذَلِكَ فَاللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَكْرَمَهَا بِأَنْ كَتَبَ لَها ذَلِكَ الثَّوَابَ الْعَظِيمَ ثَوَابَ الْهِجْرَةِ إلَى اللهِ وَرَسُولِهِ.

اللهُمَّ فَقِّهْنَا فِي دِينِنَا وَعَلِّمْنَا مَا يَنْفَعُنا وانْفَعْنا بِمَا عَلَّمْتَنَا وزِدْنَا عِلْمًا يَا ربَّ العَالَـمِينَ.

Designed and Developed by Hal taalam Team