رَحِمَ اللهُ أَمَّ كُلْثُومٍ
كَانَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ مِن أَوْفَرِ النِّسَاءِ عَقْلًا، وَأَقْوَاهُنّ إيـْمَانًا، فاحْتَلَّتْ مَكَانَةً لَائِقَةً بَيْنَ نِسَاءِ الصَّحَابَةِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْرِمُهَا لِصِدْقِ إيمَانـِهَا، وَقَدْ أَخْرَجَهَا مَعَهُ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ تُدَاوِي الْجَرْحَى.
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهْتَمُّ بِأَمْرِهَا، فَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ خَطَبَهَا الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ. فاسْتَشَارَتْ فِي هَذَا أَخَاهَا لِأُمِّهَا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَأَشَارَ عَلَيْهَا أَنْ تَأْتِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأتَتْهُ فَأَشَارَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا بِزَيْد، وَقَال: تَزَوَّجِي زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ فَإِنّهُ خَيْرٌ لَكِ". فتَزَوَّجَتْهُ فَوَلَدَتْ لَهُ زَيْدًا وَرُقَيَّةَ.
وَرَوَى النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي "تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ واللُّغَاتِ" أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ تَزَوَّجَهَا لـمّا استُشْهِدَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فِي مَوْقَعَةِ مُؤْتَةَ، فَوَلَدَتْ لَهُ زَيْنَبَ، وَكَانَ الزُّبَيْرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ شَدِيدًا عَلَى النِّسَاءِ، فَسَأَلَتْهُ الطَّلَاقَ، فَطَلَّقَهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَوَلَدَتْ لَهُ إبْرَاهِيمَ وحُمَيدًا، فَلَمَّا تُوُفِّيَ عَنْهَا تَزَوَّجَهَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَمَاتَتْ عِنْدَهُ.
وَكَان أَوْلَادُ أُمِّ كُلْثُومٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا مِنْ نُجَبَاءِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ تَرَكُوا ءاثَارًا كَرِيمَةً فِي دُنْيَا الْعِلْمَ وَالْعُلَمَاءِ فِي تَارِيخِ الْإِسْلَامِ.
فَابْنُهَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ التَّابِعِيُّ الْمَشْهُورُ، كَانَ فَقِيهًا نَبِيلًا عَالِـمًا، لَهُ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ، سَمِعَ مِنْ خَالِهِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَهُوَ صَغِيرٌ، قَالَ عَنْهُ أَهْلُ الْعِلْمِ: "كانَ عَالِـمًا فَاضِلًا مَشْهُورًا تُوُفِّيَ سَنَةَ 95هـ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى".
وَمَن الْجَدِيرِ ذِكْرُهُ أَنَّ وَفَاةَ الصَّحَابِيَّةِ الْجَلِيلَةِ أُمِّ كُلْثُومٍ كَانَتْ فِي خِلَافِةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ وَرَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
رَحِمَ اللهُ السَّيِّدَةَ الْجَلِيلَةَ أُمَّ كُلْثُومٍ هَذِهِ الصَّحَابِيَّةَ الْمُؤْمِنَةَ الْمُهَاجِرَةَ الَّتِي كَانَتْ قُدْوَةً فِي الصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ ومِثَالًا صَادِقًا عَلَى الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلِرَسُولِهِ الْكَرِيمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
اللهُمَّ اكْفِنَا بِحَلالِكَ عنْ حَرَامِكَ وبِطَاعَتِكَ عنْ مَعْصِيَتِكَ وأَغْنِنَا بِفَضْلِكَ عمَّنْ سِوَاكَ يَا أرحَمَ الراحِمينَ، وءاخرُ دَعْوَانَا أَنَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.