قُوَّةُ اليَقِينِ بِاليَوْمِ الآخِرِ

وَمَا زِلْنَا نَرَى مِنْ ثَبَاتِ هَذِهِ الـمَرْأَةِ مَا يُحَيِّرُ العُقُولَ فَلَيْسَ تُعَلِّمُنَا كَيْفَ تَكُونُ الزَّوْجَةُ حَكِيمَةً وَحَسْبُ بَلْ كَيْفَ تَكُونُ أُمًّا صَابِرَةً ءَاثَرَتْ طَاعَةَ اللهِ فِي كُلِّ وَقْتِ فَقَدْ أَطَاعَتْ زَوْجَهَا فِيمَا أَرَادَهُ وَلَمْ تُرِدْ أَنْ تُعَكِّرَ صَفْوَ لَيْلَتِهِ رَغْمَ جُرْحٍ غَائِرٍ فِي الصَّدْرِ وَمَوْتِ فِلْذَةِ الكَبِدِ، فَفِي صَحِيحٍ مُسْلِمٍ: مَاتَ ابْنٌ لِأَبِي طَلْحَةَ مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ فَقَالَتْ لِأَهْلِهَا أَيْ لِقَرَابَتِهَا لَا تُحَدِّثُوا أَبَا طَلْحَةَ عِنْدَ مَجِيئِهِ الـمَنْزِلَ بِوَفَاةِ ابْنِهِ لِئَلَّا يَتَنَغَّصَ عَيْشُهُ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَا يَنَالَ حَاجَتَهُ مِنَ الطَّعَامِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا أُحَدِّثُهُ، فَجَاءَ فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ عَشَاءً فَأَكَلَ وَشَرِبَ، ثُمَّ تَصَنَّعَتْ لَهُ بِتَحْسِينِ الـهَيْئَةِ بِالحُلِيِّ وَنَحْوِهِ أَحْسَنَ مَا كَانَتْ تَصَنَّعُ قَبْلَ ذَلِكَ الوَقْتِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ يَقِينِهَا وَقُوَّةِ صَبْرِهَا، فَوَقَعَ بِـهَا أَيْ جَامَعَهَا، فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهُ قَدْ شَبِعَ وَأَصَابَ مِنْهَا بِالجِمَاعِ قَالَتْ: يَا أَبَا طَلْحَةَ أَرَأَيْتَ أَيْ أَخْبِرْنِي لَوْ ثَبَتَ أَنَّ قَوْمًا أَعَارُوا عَارِيَتَهُمْ أَهْلَ بَيْتِ فَطَلَبُوا عَارِيَتَهُمْ أَلَـهُمْ أَيْ لِأَهْلِ البَيْتِ الـمُسْتَعِيرِينَ أَنْ يَـمْنَعُوهُمْ؟ قَالَ: لَا أَيْ لَيْسَ لَـهُمْ مَنْعُهُمْ، فَقَالَتْ: فَاحْتَسِبِ ابْنَكَ أَيِ اطْلُبْ ثَوَابَ ابْنِكَ وَأَجْرَ مُصِيبَتِكَ فِيهِ مِنَ اللهِ وَلَا تُدَنِّسْهَا بِـمَا يُحْبِطُ الثَّوَابَ فَإِنَّهُ كَانَ عِنْدَكَ عَارِيَةٌ اسْتَرَدَّهُ مَالِكُهُ، كَأَنَّـهَا قَالَتْ: فَإِنَّ ابْنَكَ كَانَ عَارِيَةً مِنَ اللهِ، وَإِنَّ اللهَ قَدْ قَبَضَهُ فَاسْتَرْجِعْ. قَالَ أَنَسٌ: فَغَضِبَ أَبُو طَلْحَةَ ثُمَّ قَالَ لِأُمِّ سُلَيْمٍ: تَرَكْتِنِي حَتَّى إِذَا تَلَطَّخْتُ أَيْ بِالجِمَاعِ ثُمَّ أَخْبَـرْتِنِي بِابْنِي أَيْ بِـمَوْتِهِ، فَانْطَلَقَ يَـمْشِي حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ بِـمَا كَانَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، دَاعِيًا لَـهُمَا بِـمَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَيْهِمَا: "بَارَكَ اللهُ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا" أَيْ فِيمَا فَعَلْتُمَاهُ فِيهَا مِنَ الإِعْرَاسِ بِأَنْ يَجْعَلَهُ نِتَاجًا طَيِّبًا وَثَـمَرَةً حَسَنَةً، قَالَ أَنَسٌ: فَحَمَلَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِجَابَةً لِدُعَائِهِ بِالبَرَكَةِ. وَذَكَرَ تَـمَامَ الحَدِيثِ.

فَهَا هِيَ أُمُّ سُلَيْمٍ الـمُنَوَّرَةُ القَلْبِ بِـهَدْيِ الـمُصْطَفَى تَتَحَلَّى بِالصَّبْرِ الجَمِيلِ عِنْدَ فَقْدِ وَلَدِهَا مِنْ أَبِي طَلْحَةَ، فَهَلْ بَلَغَتْ هَذِهِ الدَّرَجَةَ مِنَ الصَّبْرِ لَوْلَا قُوَّةُ اليَقِينِ بِاليَوْمِ الآخِرِ وَالثَّوَابِ مِنَ اللهِ تَعَالَى وَثَبَاتُ القَلْبِ بِتَعَالِيمِ سَيِّدِ العَالَـمِينَ؟ وَلَا عَجَبَ أَنْ تَجِدَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ مَنْ كَانَ هَكَذَا حَالُهُ، فَإِنَّ نَبِيَّهُمْ سَيِّدُ النَّاسِ وَخَيْرُ الخَلْقِ وَأَشَدُّ النَّاسِ تَوَكُّلًا عَلَى اللهِ وَقَدْ غَرَسَ فِيهِمْ هَذَا التَّسْلِيمَ وَالتَّعْظِيمَ لِكَلَامِ رَبِّ العَالَـمِينَ. ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [سورة الأحزاب/36] أَيْ لَا يَنْبَغِي وَلَا يَلِيقُ، بِـمَنِ اتَّصَفَ بِالإِيـمَانِ، إِلَّا الإِسْرَاعُ فِي مَرْضَاةِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَالـهَرَبُ مِنْ سَخَطِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَامْتِثَالُ أَمْرِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَاجْتِنَابُ نَـهْيِ اللهِ وَرَسُولِهِ.
مَنْ مِنَّا يُدْرِكُ أَنَّ أَوْلَادَهُ عَارِيَةٌ عِنْدَهُ وَأَمَانَةٌ يَسْتَرِدُّهَا اللهُ وَقْتَ مَا يَشَاءُ؟ فَعَلَى الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ أَنْ يُرَاعُوا اللهَ فِي أَوْلَادِهِمْ وَلَا يَتْـرُكُوهُمْ لِلضَّيَاعِ.

Designed and Developed by Hal taalam Team