بَطَلَةُ الشُّهَدَاءِ سُميَّةُ بِنْتُ خُبَّاطٍ
الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالـَمِينَ لهُ النِّعْمَةُ ولَهُ الفَضْلُ ولَهُ الثَّنَاءُ الـحَسَنُ وَصَلَوَاتُ اللهِ البَرِّ الرَّحِيمِ والـمَلَائِكَةِ الـمُقرَّبينَ عَلَى سَيِّدِنَا مـُحَمّدٍ أَشْرَفِ الـمُرْسَلينَ وَعَلَى جَـمِيعِ إخْوَانِهِ النَّبِيِّينَ والـمُرْسَلينَ وَسَلَامُ اللهِ عَلَيْهِم أجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ رَوَينَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ بإسْنَادٍ مُتَّصِلٍ أنَّ نَبيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إنَّ هَذَا الدِّينَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَـا بَدَأَ فَطُوبـَى للغُـرَبَاءِ" اهـ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ أَي الـمُتَمَسِّكِينَ، بِمَا جَاءَ فِي شَرْعِ رَسُولِ اللهِ إذَا فَسَدَ النَّاسُ، عِنْدَمَا يَفْسُدُ النَّاسُ، هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَتَمَسَّكُونَ بالشَّرْعِ غُرَبَاءُ وَهُمْ بَيْنَ أَهْلِيهِم، بَيْنَ أَصْدِقَائِهِم غُرَبَاءُ لأنَّهُم يَنْفُرُونَ مِنْهُم.
وَمَعْنَى "بَدَأ الإِسْلَامُ غَرِيبًا" أنَّ دِيْنَ الإِسْلَامِ قَامَ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ ضَعِيفًا لأَنَّ الـمُسْلِمِينَ فِي أَوَّلِ بِعْثَةِ النَّبيِّ كَانُوا مُضْطَهَدِينَ فِي مَكَّةَ بأنْوَاعٍ مِنَ الْأَذَى، كَانُوا قِلَّةً قَلِيلِةً، فِي غَايَةِ القِلَّةِ.
مِنْ هَؤُلَاءِ الـمُضْطَهَدِينَ صَحَابِيَّةٌ جَلِيلَةُ الْقَدْرِ أَكْرَمَهَا اللهُ وَشَرَحَ صَدْرَهَا لِلْإِسْلَامِ، ثُمَّ رَفَعَ اللهُ دَرَجَاتِهَا حِينَ أَكْرَمَهَا بِالشَّهَادَةِ، فَكَانَتْ أَوَّلَ شَهِيدَةٍ بَعْدَ بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سُـمَيَّةُ بِنْتُ خُبَّاطٍ أُمُّ الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رَضِيَ اللهُ عنهما.
هَذِه الْأُسْرَةُ اليَاسِرِيَّةُ الْعَظِيمَةُ جَـمَعَتِ العَدِيدَ مِنَ الْفَضَائِلِ كَالْإِيمَانِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْبَلَاءِ وَفَاحَتْ هَذِهِ الْفَضَائِلُ وعَطَّرَتْ أَجْوَاءَ مَكَّةَ بِالطِّيْبِ.
تَأْتِي هَذِهِ الْأُسْرَةُ الْمُبَارَكَةُ مِنْ أَمَاكِنَ مُتَعَدِّدَةٍ، وَلَكِنَّهَا تَجْتَمِعُ فِي مَكَّةَ الْبَلَدِ الْأَمِينِ الَّذِي أَشْرَقَ بِنُورِ الدَّعْوَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، وَمِنْهَا إِلَى سَائِرِ بِقَاعِ الْأَرْضِ.
فَقَدْ خَرَجَ أَحَدُ أَبْنَاءِ عَامِرِ بْنِ مَالِكٍ مِنْ الْيَمَنِ إِلَى مَكَّةَ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَعُدْ وَطَالَتْ غَيْبَتُهُ، فَخَرَج إخْوَتُهُ: يَاسِرٌ وَالْحَارِثُ وَمَالِكٌ أَبْنَاءُ عَامِرٍ، وقَدِمُوا مَكَّةَ يَطْلُبُونَ أَخَاهُم، غَيْرَ أَنَّهُمْ لَمْ يَقَعُوا عَلَى خَبَرِهِ، وَاسْتَطَابَ الْمُقَامُ لأَخِيهِمْ يَاسِرٍ فِي مَكَّةَ، وَاسْتَعْذَبَ الْجِوَارَ فِي جَانِبِ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، بَيْنَمَا رَجَع أَخَوَاهُ الْحَارِثُ وَمَالِكٌ إلَى الْيَمَنِ.
اللهُمَّ اُرْزُقْنَا عِلْمًا نَافِعًا وَقَلْبًا خَاشِعًا وَلِسَانًا ذَاكِرًا.